كم عالمٍ لم يُنتفع بعلمه وربما أضرّ به
بعيدًا عن التعريف اللغوي والاصطلاحي، «العالِم» بالمفهوم المتعارف عليه هو من يمتلك معرفة نظرية أو تطبيقية، سواء أكانت دينية أم طبيعية أم في الأنساب والمهن وغيرها، تميّزه عن غيره فيما يتعلق بلوازم الحياة نفعًا كالفقه، أو ضررًا كصناعة السم، ويختلف العلماء في درجاتهم ومستوياتهم، وعادة ما تكون الفوارق بينهم نسبية.
ما يعنينا هنا العلماء الذين بلغوا مراتب عليا في الدين والطب والهندسة وغيرها من التخصصات التي تعددت مسمياتها بفعل التقدم العلمي، لكن بعضهم، لانعزاله عن المجتمع وانطوائه، يظل مجهولًا؛ فيتساءل الناس: هل ما يُقال عن مستواه صحيح أم مبالغة؟
وعندما يرحل أحدهم، تتبارى أقلام المقرّبين في رثائه: «رحمه الله، كان قمرًا مشعًّا غاب وقت الحاجة فخيّم الظلام بعده، فقده خسارة لا تعوّض، بلغ درجة الاجتهاد والمرجعية إن كان حوزويًا أو نال الدكتوراه العالمية في غيرها وحقق براءات اختراع» إلى حدّ لا تُحصى معه ألقابه وعناوين مؤلفاته، أنعم به وأكرم إن كان كذلك، ولكن يبقى السؤال: ما الذي فعله بعلمه؟ ماذا قدم من خلاله؟ ما الذي استُفيد منه؟ نحن نفخر بهؤلاء جميعًا وفي مقدمتهم عالم الدين لحاجتنا اليومية والأجيال القادمة إليه؛ لاتخاذهم قدوة ومثلًا أعلى، لذا نتطلع إلى ما يلي:
نتمنى ألا ينطبق عليه قول أبي الأسود الدؤلي: «لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثله، عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ»، وألا يكون مشمولًا بقوله تعالى ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. فمؤسف أن يعلم حرمة قطيعة الرحم، ثم يكون أول القاطعين، وخُلف الوعد ديدنه.
شغله الشاغل التهريج والتعليق على البسطاء، والثرثرة، والترويج لمن يحب بمديح لا يستحقه، والنيل ممن يكره أو يخالفه الرأي بما ليس فيه، فيرتكب بهتانًا وإثمًا، ويضيّع وقته فيما لا يعنيه، تاركًا النافع المفيد، ناسيًا مجتمعه في السراء والضراء؛ مثل هذا ضلّ الطريق؛ عدمه خير من وجوده.
إن كنت تدري، أو كنت غافلًا، فتبعات ذلك سيئة عليك. أتحدث هنا عن مواقف رأيتها بنفسي، شواهدها محفوظة عندي؛ أنقلها ليتجنبها فاعلوها، ولئلا يقربها غيرهم:
أ - شخص ناهز الخامسة والستين، أساء رجل دين معاملته دون مبرر عندما أقبل عليه مسلّمًا أمام أكثر من أربعين في مجلس يضم صغارًا وكبارًا، فأخجله، غير مراعٍ مشاعره وكبر سنه، ومرجعه الإمام جعفر بن محمد
كان يعامل الزنادقة بأسلوب الإخوة، وهذا المعمم لم يساوِ حتى هذا بأولئك!
ب - في عزاء المرحوم الأستاذ سعيد نجل المقدس الشيخ فرج العمران، أوقف شيخٌ معزّيًا بين الناس بحجة أن أحد طلبة العلم الثقات أبلغه أنه سبّ العالم «فلان». وعندما طُولب بالإثبات عجز، واتضح أن المعزّي نشر مقالًا في إحدى القنوات منذ مدة عن إصلاح وضع معين، دون ذكر أحد، لا همزًا ولا لمزًا، لكن الحوزوي أوّله زورًا وبهتانًا بمفهومه الخاطئ.
ج - كاتب تعرض بشكل عام لحالة اجتماعية، فإذا بعالم معروف ينهال عليه بالكلمات والتحقير والتهديد قائلًا: «أنت تقصد الشيخ […. ] بمقالك»، مع أنه بعيد كل البعد عما عناه، ما هذا يا شيخنا هداك الله؟ لقد فضحت صاحبك إن كان فيه ما قلت، ولو رُفعت عليك دعوى قضائية لعُزّرت.
فماذا تقولون يا مشايخ إن لقيتم الإمام الصادق
غدًا؟
في المقابل، نجد علماء نصحوا لله ولرسوله، علّموا ما تعلّموه بإخلاص وأخلاقٍ تشتاق النفس معها إلى مجالستهم ومحادثتهم، هم بلسم، إن وُضع على جراح مصاب شفاها. نسأل الله لهم التوفيق والمزيد من أمثالهم، وأن يمدّ في أعمارهم.












