فقه الوسيلة وغاية الشريعة: حين يُضيَّق الواسع
ليس أخطر على الفكر الديني من أن تتحول الوسائل إلى غايات، وأن يصبح الطريق أهم من المقصد؛ فعندما يحدث ذلك ينقلب الفقه من أداة لتنظيم حياة الناس وتيسير عباداتهم إلى شبكة من التعقيدات التي تربك الضمير الديني وتزرع الشك في الأعمال التي أداها المؤمنون عبر السنين بصدق نية وسلامة قصد.
لقد ثار في الآونة الأخيرة نقاش حول مسألة دفع الزكاة وزكاة الفطرة، وهل يصح للمكلف أن يسلمها مباشرة إلى الفقير، أم لا بد أن تمر عبر الفقيه أو وكيله؟ والحقيقة أن هذه المسألة إذا أعيدت إلى أصولها الفقهية تبدو أبسط بكثير مما صورت به.
فالقاعدة التي استقر عليها الفقه الإمامي واضحة: الملاك في صحة أداء الزكاة هو تمليكها للمستحق الشرعي وتمكينه من قبضها، أي إن الغاية التي يقصدها التشريع هي وصول المال إلى الفقير الذي جعله الله موردًا لهذا الحق؛ أما الوسائل التي يتحقق بها ذلك فهي بطبيعتها متعددة ومتغيرة؛ لأنها ترتبط بالواقع الاجتماعي وطرائق التنظيم التي تتطور مع الزمن؛ فالآن، مثلًا، لا يمكن حمل كوم من التمر على رأس المكلف ليوصل قبضة يد منه إلى فقراء متفرقين في أمكنة مختلفة كما كان في السابق.
ولهذا كان تسليم الزكاة للفقيه أو وكيله في جوهره وسيلة تنظيمية لا أكثر؛ فالفقيه في هذا السياق يؤدي دور الوسيط الموثوق الذي يتولى جمع الأموال وتوزيعها على مصارفها الشرعية، وهذه وظيفة اجتماعية مهمة، لكنها لا تمنح الوسيلة صفة الحصر أو الاحتكار.
ولو تأملنا نصوص الرسائل العملية لوجدناها تشير بوضوح إلى أن المكلف يجوز له دفع الزكاة إلى الفقير بنفسه «يقولون الزكاة وليس الخمس» وأن إعطاءها للحاكم الشرعي إنما هو أمر راجح أو أولى لا واجب لازم، وهذا الفرق بين الوجوب والاستحباب ليس تفصيلًا لغويًّا، بل هو فارق فقهي جوهري؛ لأن الوجوب يعني انحصار الطريق، بينما الاستحباب يفتح باب التعدد في الوسائل.
إن المشكلة لا تكمن في وجود وسطاء موثوقين، بل في تحويل الوساطة إلى شرط صحة، بحيث يصور للمكلف أن ذمته لا تبرأ إلا إذا مر المال عبر قناة محددة. وهنا يحدث التحول الخطير: إذ تنتقل القضية من تنظيم إداري إلى سلطة رمزية على ضمير المكلف وماله.
والحال أن المال في الأصل هو ملك المكلف، وقد تعلق به حق للفقراء بفهم الشريعة، والمكلف مأمور بأداء هذا الحق لا بتسليم ملكيته المعنوية لغيره؛ فإذا تحقق إيصال المال إلى المستحقين مع اطمئنان المكلف إلى صحة الصرف وأمانة الوسيلة، فقد تحققت الغاية التي أرادها التشريع.
إن الفقه في حقيقته ليس نظامًا لتضييق الخيارات، بل منهج لتحقيق المقاصد بأيسر الطرق الممكنة؛ لذلك فإن توسيع الوسائل - سواء عبر الجمعيات الخيرية الموثوقة أو المبادرات المجتمعية المنظمة - لا يناقض روح الفقه، بل ينسجم مع مقاصده في إيصال الحقوق إلى أهلها بأكبر قدر من الكفاءة والسرعة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المجال الديني هو أن يتحول النقاش من سؤال: كيف نحقق مقاصد الشريعة؟ إلى سؤال آخر: من يملك حق المرور الإجباري إلى هذه المقاصد؟
فالغاية التي قصدها التشريع واضحة: إغناء الفقير وصيانة كرامته؛ أما الوسائل فهي بطبيعتها قابلة للتعدد والتطور؛ لأن المجتمع نفسه يتغير، وطرائق تنظيمه تتبدل، بينما تبقى المقاصد المفهومة ثابتة «يقولون ذلك».
ولهذا فإن إعادة النقاش إلى هذه القاعدة البسيطة تعيد التوازن إلى المسألة:
ليس المهم من يقبض المال، بل المهم أن يصل المال إلى مستحقه.
وعندما يتحقق ذلك بطمأنينة المكلف وسلامة المقصد، فإن ذمته تبرأ، وتبقى القاعدة القرآنية الكبرى شاهدة على روح التشريع:
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]











