الشيخ الصفار يكتب عن إدارة الوقف الجعفري
يأتي كتاب «إدارة الوقف الجعفري في دول الخليج.. آفاق وتطلعات» للشيخ حسن الصفار بوصفه دراسة فكرية تحليلية تتناول أحد أهم الملفات في الحياة الدينية والاجتماعية لمجتمعات الخليج العربي، وهو ملف الأوقاف الجعفرية من حيث نشأتها، وإدارتها، وتحدياتها، وآفاق تطويرها.
صدر الكتاب في طبعته الأولى سنة 1447 هـ / 2025 م عن دار الانتشار العربي في بيروت، ويستند إلى ورقة علمية قُدّمت في الملتقى العاشر للوقف الجعفري بدولة الكويت، ثم طُوّرت لتأخذ صورتها الكتابية المتكاملة.
الكتاب ليس مجرد عرض تاريخي أو فقهي لمسألة الوقف، بل هو محاولة تقويمية إصلاحية تسعى إلى إعادة قراءة تجربة إدارات الوقف الجعفري في دول الخليج، وتشخيص واقعها، واستشراف مستقبلها، ضمن سياق وطني واجتماعي أوسع.
من هنا تتجلّى أهمية الكتاب، كونه يجمع بين الرؤية الفقهية، والوعي الاجتماعي، والاهتمام المؤسسي، والبعد الوطني.
ينطلق المؤلف من مقدمة تأسيسية، يربط فيها بين واقع المجتمعات الإسلامية المعاصرة وبين الحاجة إلى تفعيل الإمكانات الدينية الكامنة فيها. فهو يرى أن مجتمعاتنا تمتلك ثروات مادية ومعنوية كبيرة، لكنها تحتاج إلى حسن إدارة واستثمار.
ويشير إلى أن تراجع القيم الدينية في بعض البيئات لا يعود إلى فقر الإمكانات، بل إلى ضعف التوظيف، وسوء الإدارة، وغياب التخطيط المؤسسي. ومن هنا يحدد موردين أساسيين للقوة الدينية في المجتمع:
• المورد المعنوي: عمق التدين في وجدان الناس.
• المورد المادي: الثروة الوقفية الضخمة المتراكمة عبر الأجيال.
ويرى أن الأوقاف تمثل رافدًا ماليًا استراتيجيًا يمكن أن يدعم حركة الوعي والإرشاد، ويحصّن المجتمع أخلاقيًا وثقافيًا، إذا أُحسن تنظيمها وتطويرها.
هذه الرؤية تجعل الوقف ليس مجرد عمل تعبّدي تقليدي، بل أداة نهضوية ذات أثر حضاري طويل المدى.
في فصل ”مدخل“، يتناول المؤلف مسألة التنوع المذهبي في الخليج والجزيرة العربية، مؤكدًا أن هذا التنوع قديم وأصيل، وليس طارئًا أو مستوردًا. ويستعرض صور التعايش التاريخي بين السنة والشيعة في المنطقة، حيث كانت علاقات التعاون والتكافل الاجتماعي تتجاوز الحساسيات المذهبية.
ويبرز كيف أن قيام الدولة الوطنية الحديثة أوجد تحديات جديدة، خاصة في المجالات المرتبطة بالأحوال الشخصية والأوقاف، نظرًا لاختلاف المرجعيات الفقهية. ومن هنا برزت الحاجة إلى حلول مؤسسية تراعي الخصوصية المذهبية ضمن إطار الدولة.
ويعرض المؤلف نماذج من المعالجات الإيجابية، مثل:
• اعتماد قضاة شيعة في بعض المناطق بالمملكة العربية السعودية.
• وجود محاكم جعفرية في مملكة البحرين.
• تعيين قضاة شيعة في دولة الكويت وقطر في بعض الاختصاصات.
هذا السياق التاريخي والقانوني يمهد لطرح الفكرة المركزية: ضرورة وجود إدارة رسمية للوقف الجعفري تحفظ خصوصيته الفقهية، ضمن إطار الدولة.
يوثق الكتاب نشأة إدارات الوقف الجعفري في عدد من الدول الخليجية، موضحًا الفوارق الزمنية والإدارية بينها:
• تأسست إدارة رسمية للأوقاف الجعفرية في البحرين سنة 1927 م.
• صدر أول قانون للأوقاف الجعفرية هناك سنة 1960 م.
• تأسس مجلس إدارة الأوقاف الجعفرية في دبي سنة 1971 م.
• تأسس مجلس مماثل في الشارقة سنة 1972 م.
• أُنشئت وحدة للأوقاف الجعفرية ضمن الأمانة العامة للأوقاف في الكويت سنة 2002 م.
أما في المملكة العربية السعودية، فلم تتشكل دائرة إدارية مستقلة للأوقاف الجعفرية، بل انحصر الأمر في الولاية القضائية دون جهاز إداري متخصص، وهو ما يرى المؤلف أنه يحتاج إلى معالجة مستقبلية.
يطرح المؤلف سؤالًا جوهريًا: هل نجحت إدارات الوقف الجعفري في تحقيق الأهداف المرجوة منها؟
ويشير إلى وجود تيار متحفظ داخل المجتمع الشيعي تجاه الإدارة الرسمية للأوقاف، بدافع الخشية من مخالفة الضوابط الشرعية أو فقدان الاستقلالية. لكنه في المقابل يؤكد حق المجتمع في ممارسة النقد والتقويم، وضرورة أن تثبت الإدارات مصداقيتها وكفاءتها.
في هذا السياق، يدعو إلى:
• تعزيز الشفافية.
• الالتزام بالموازين الشرعية.
• تقديم نموذج إداري متطور يتجاوز الإدارة الفردية التقليدية.
ويرى أن الملتقيات العلمية، مثل الملتقى العاشر للوقف الجعفري بالكويت، تمثل فرصة لتقييم التجربة وتبادل الخبرات.
من أبرز محاور الكتاب تركيزه على البعد الوطني لإدارة الوقف الجعفري. فهو يؤكد أن وجود إدارة رسمية تحت رعاية الدولة يعزز:
• مبدأ المساواة بين المواطنين.
• الوحدة الوطنية.
• التعايش المذهبي.
ويقترح عدة خطوات لتعزيز هذا الدور:
• ترسيخ الصفة الرسمية للإدارة.
• الانفتاح على المؤسسات الوطنية.
• تبني مشاريع ذات طابع إنساني عام.
ويستشهد بمبادرات وطنية إنسانية، مثل إنشاء مراكز صحية متخصصة في الكويت والسعودية بمبادرات مرجعيات دينية، بوصفها نماذج عملية لوقف يخدم جميع المواطنين دون تمييز.
يخصص المؤلف فصلًا مهمًا للحديث عن ضعف الدراسات الوقفية في الوسط العلمي الشيعي مقارنة بما هو موجود في الفقه السني، حيث أُنشئت مراكز أبحاث متخصصة، وأقيمت مؤتمرات، وأُصدرت مجلات علمية.
ويذكر نموذجًا رائدًا في السعودية هو مؤسسة ساعي لتطوير الأوقاف، التي أطلقت مشروعًا علميًا واسعًا لرصد أولويات البحث الوقفي، وأصدرت عشرات الدراسات، وأنشأت مجلة محكّمة ومكتبة وقفية ضخمة.
ويرى أن على إدارات الوقف الجعفري في الخليج أن تتعاون لإنشاء مراكز بحثية مماثلة، تهتم ب:
• القضايا الفقهية المستجدة.
• تطوير الصيغ الاستثمارية الحديثة.
• أرشفة الوثائق الوقفية.
• توثيق أوقاف أهل البيت.
كما يشير إلى أهمية الدراسات التاريخية، مستشهدًا بكتاب أكاديمي عن الأوقاف النبوية وأوقاف الخلفاء الراشدين، بوصفه نموذجًا لما ينبغي أن يُنجز في مجال توثيق أوقاف أهل البيت.
يتناول الكتاب مسألة الاستثمار الوقفي، مؤكدًا أن الأوقاف لا ينبغي أن تبقى رهينة الصيغ التقليدية. ومن القضايا المطروحة:
• استبدال الأعيان المتعثرة.
• تطوير العقارات الوقفية.
• إنشاء محافظ استثمارية.
• اعتماد أدوات مالية حديثة كالصكوك والأسهم.
• الوقف الإلكتروني.
ويرى أن حسن الاستثمار لا يناقض مقاصد الوقف، بل يحقق شرط ”دوام المنفعة“، وهو أحد أسسه الفقهية.
يختم المؤلف بضرورة إحياء سنة الوقف في المجتمع، خاصة في ظل اتساع رقعة الثراء في الخليج. ويلاحظ أن ضعف المبادرات الوقفية الجديدة يعود إلى غياب مؤسسات متخصصة في:
• تقديم الاستشارات الوقفية.
• تسهيل الإجراءات القانونية.
• تصميم منتجات وقفية معاصرة.
ويؤكد أن أفضل صور البذل هي الصدقة الجارية، وأن الوقف يمثل صيغة استراتيجية لخدمة الدين والمجتمع.
كتاب «إدارة الوقف الجعفري في دول الخليج» ليس موسوعة فقهية تفصيلية، ولا دراسة قانونية مقارنة معمقة، لكنه ورقة فكرية استراتيجية موجّهة إلى القيادات الدينية والإدارية، وإلى النخب الواعية، لتطوير تجربة الوقف الجعفري في الخليج.
ويمثل دعوة صريحة إلى الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الإدارة المؤسسية الحديثة، ومن الانشغال بالمحافظة على الموجود إلى التفكير في تنميته وتطويره، ومن التركيز على البعد المذهبي الضيق إلى توسيع الأفق الوطني والإنساني.












