هل أنت جاهز للرحيل؟
في خضم انشغالات الحياة، يهرب الإنسان من سؤالٍ ثقيل، ليس لأنه بلا جواب، بل لأن جوابه يفرض عليه أن يراجع نفسه بصدق: هل أنا جاهز للرحيل؟
يقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
وهي حقيقة لا تختلف عليها العقول، لكنها كثيرًا ما تُؤجَّل في الوعي.
الموت بحد ذاته ليس المشكلة، بل ما يتركه الإنسان بعده. فقد شهدنا حالات كثيرة لم تكن المعاناة فيها من الفقد فقط، بل مما خلفه الراحل من التزامات غير واضحة، وديون غير موثقة، وشراكات غامضة، فتحول الحزن إلى نزاع، وتحولت الذكريات إلى ملفات خلاف.
الغموض في الحقوق لا يُفسَّر بهدوء، بل يُتنازع عليه، ولذلك فإن أول أشكال الاستعداد للرحيل هو ترتيب الحقوق المالية: توثيق، وضوح، وبيان، بما يحفظ الحقوق ويجنب الورثة عناء البحث والاختلاف.
ولا تقل الحقوق المعنوية أهمية، بل قد تكون أثقل أثرًا؛ كلمة جارحة، خصومة طويلة، أو قطيعة لم تُعالج. هذه لا تُكتب في الأوراق، لكنها تبقى في القلوب، وقد تستمر آثارها بعد الرحيل أكثر من أي التزام مالي.
ومن الحقائق التي ينبغي أن تُستحضر في هذا السياق، أن الله سبحانه وتعالى واسع المغفرة، يغفر ما شاء من الذنوب، أما حقوق العباد فلا بد فيها من أداء أو مسامحة، فلا ينبغي للإنسان أن يرحل وذمته معلقة بما كان قادرًا على تسويته في حياته.
كما أن من صور الوعي في هذا الباب، ترتيب ما بعد الرحيل بشكل واضح، سواء في المسؤوليات أو الأعمال أو الالتزامات، فكلما كانت الأمور منظمة ومفهومة، كان ذلك أرفق بالورثة وأقرب إلى حفظ الحقوق.
وفي جانب آخر، يغفل البعض عن أهمية المبادرة إلى العمل النافع في حياتهم، فيؤجلون مشاريع الخير أو الأفكار المفيدة إلى ما بعدهم، بينما الأثر الحقيقي هو ما يُبادر به الإنسان ويراه يتحقق في حياته، لا ما يُؤمَل أن يُنجز بعد رحيله.
وقد رُوي عن أمير المؤمنين الإمام علي
قوله:
”اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً“،
وهي دعوة إلى التوازن بين التخطيط للمستقبل والاستعداد لما هو أقرب.
إن الحديث عن الموت ليس دعوة للتشاؤم، بل دعوة للوعي وترتيب الأولويات. فالعاقل هو من ينظر إلى هذه الحقيقة باعتبارها دافعًا لتنظيم حياته، وتصفية حقوقه، وترك أثرٍ طيب بعده.
وفي النهاية، يبقى السؤال حاضرًا:
إذا كان الرحيل اليوم، هل تركنا خلفنا راحة… أم عبئًا؟












