آخر تحديث: 19 / 3 / 2026م - 7:04 م

قراءة في كتاب ”عصر النهضة“ للمفكر الميلاد

جهات الإخبارية

• نشر بتاريخ: 16 مارس 2026 م
• عنوان الكتاب: عصر النهضة: كيف انبثق؟ ولماذا أخفق؟
• المؤلف: زكي الميلاد
• الناشر: النادي الأدبي بالرياض بالاشتراك مع المركز الثقافي العربي
• سنة النشر: 2016 م «1437 هـ»
• الطبعة: الأولى

الفكرة العامة للكتاب

يبدأ الكتاب من سؤال ظل حاضرًا في التفكير العربي منذ القرن التاسع عشر، سؤال النهضة ومعناه البحث في الكيفية التي نشأت بها الحركة النهضوية في العالم العربي والإسلامي، ثم فهم القوى الفكرية والتاريخية التي دفعتها إلى الظهور، وأخيرًا تفسير الأسباب التي جعلت هذا المشروع يتعثر قبل أن يتحول إلى مشروع حضاري متكامل.

يُعامل المؤلف النهضة بوصفها تجربة فكرية تاريخية مركبة. لذلك يتجه إلى قراءة تحليلية تتبع تشكلها من الداخل. يتوقف عند لحظة البداية، ويستعرض الأسئلة التي انشغل بها مفكروها، ثم ينتقل إلى التحولات التي قادت إلى تعثر المشروع. ويجري هذا التحليل في إطار رؤية نقدية هادئة تهتم بالفهم، مع شعور واضح بأن تجربة النهضة ما زالت حاضرة في مشكلات الفكر العربي المعاصر. هكذا تصبح دراسة النهضة مدخلًا لفهم الأزمات الفكرية التي يعيشها العالم العربي اليوم، كما تغدو التجربة نفسها مرآة يمكن من خلالها قراءة الحاضر والتطلع إلى المستقبل.

انبثاق عصر النهضة في المجال العربي الحديث

يفتتح المؤلف تحليله بالسؤال المتعلق ببداية الظاهرة النهضوية في الوعي العربي الحديث. ومن أجل الاقتراب من الإجابة يعرض أربع مقاربات ظهرت في الدراسات الفكرية والتاريخية.

المقاربة الأولى: ترى أن البداية ارتبطت بالصدمة الحضارية التي أحدثتها الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798 م. فقد كشفت هذه الحادثة الفارق الواسع بين العالم العربي وأوروبا الحديثة، فاستيقظ الوعي على سؤال التأخر وسبل النهوض. ويشير المؤلف إلى أن هذه القراءة تبرز أثر الاحتكاك المباشر بالحضارة الغربية في تحريك الفكر العربي.

المقاربة الثانية: تفسر النهضة من داخل المجتمعات الإسلامية نفسها. فظهور حركات الإصلاح الديني والتجديد الفكري قبل القرن التاسع عشر أسهم في تهيئة مناخ فكري جديد. هذا المناخ مهّد الطريق لظهور مشروع النهضة عندما توافرت الظروف التاريخية المناسبة.

المقاربة الثالثة: تستدعي التحليل التاريخي الذي وضعه ابن خلدون حول نشوء الدول والحضارات وتراجعها. ويرى بعض الباحثين أن فلسفة التاريخ الخلدونية توفر إطارًا يساعد على فهم التحولات الكبرى التي عرفها العالم الإسلامي في العصر الحديث.

أما المقاربة الرابعة فتركز على الدور الذي أداه بعض المفكرين الذين أصبحوا رموزًا للحركة النهضوية، وفي مقدمتهم جمال الدين الأفغاني. حضوره الفكري والسياسي أسهم في بلورة الوعي الإصلاحي، وفي نشر فكرة اليقظة الإسلامية في أكثر من بلد. يتوقف المؤلف عند هذه المقاربات بالتحليل والمناقشة، ويرى أن نشأة النهضة نتجت عن تفاعل عوامل متعددة. عوامل تاريخية داخلية التقت بظروف خارجية فكوّنت لحظة فكرية جديدة في تاريخ العالم العربي.

الإسلام والمدنية بين التقدم والتراجع

يتتبع المؤلف في هذا الفصل تطور العلاقة بين الإسلام وفكرة المدنيّة في الفكر العربي الحديث. ويلاحظ أن هذا الموضوع مرّ بعدة مراحل فكرية تعكس تطور وعي المفكرين النهضويين.

في المرحلة الأولى ظهر اتجاه يدعو إلى الاستفادة من منجزات الحضارة الحديثة مع تقديم تفسير ديني يسمح بهذا الانفتاح. كان الهدف إقناع المجتمع بأن الأخذ بأسباب التقدم لا يتعارض مع المرجعية الإسلامية.

ثم برزت مرحلة ثانية اتسمت بقدر أكبر من الوضوح الفكري. في هذه المرحلة أكد عدد من المفكرين أن المدنيّة إنجاز إنساني عام تشارك في بنائه الأمم المختلفة، وأن الإسلام قادر على التفاعل مع هذا الإنجاز الحضاري.

أما المرحلة الثالثة فاتجهت نحو قراءة أعمق للتراث الإسلامي. حاول بعض المفكرين إبراز البعد الحضاري في الإسلام ذاته، ورأوا فيه مصدرًا يمكن أن يدعم مشروع التقدم ويمنحه أساسًا ثقافيًا أصيلًا.

يتابع المؤلف مسار هذا التفكير ويلاحظ أن الخطاب النهضوي عرف تحولًا مع مرور الزمن. فقد ضعفت الروح الإصلاحية وبرزت اتجاهات أكثر ميلًا إلى الانغلاق. ويربط المؤلف هذا التحول بجملة من الظروف الفكرية والسياسية التي أثرت في مسار النقاش حول العلاقة بين الإسلام والمدنية.

سؤال النهضة الكبير

ينتقل المؤلف إلى السؤال الذي أصبح محورًا رئيسيًا في الفكر العربي الحديث. سؤال يتردد في كتابات رواد النهضة ويعبّر عن وعي حاد بالفارق الحضاري بين العالم الإسلامي والغرب. وهو السؤال الذي يبحث في أسباب التأخر في مقابل تقدم الأمم الأخرى.

يحلل المؤلف بنية هذا السؤال ويبين أنه يقوم على مقارنة بين الذات والآخر. المقارنة تكشف موقع العالم الإسلامي في التاريخ الحديث وتفتح باب البحث عن الأسباب العميقة للتفاوت الحضاري.

ثم يتتبع حضور هذا السؤال في الفكر العربي منذ القرن التاسع عشر. المفكرون حاولوا الإجابة عنه من زوايا متعددة. بعضهم ربط التأخر بجمود الفكر الديني. آخرون ركزوا على الاستبداد السياسي وأثره في تعطيل المجتمع. فريق ثالث أشار إلى التخلف العلمي وضعف البنية الاجتماعية.

يقف المؤلف عند هذه التفسيرات بالنقد والتحليل. ويلاحظ أن كثيرًا منها بقي محدودًا بسبب تأثره بالاتجاهات الأيديولوجية أو بالقراءات الجزئية للواقع. لذلك يدعو إلى إعادة التفكير في طبيعة السؤال نفسه، لأن تحديد المشكلة بدقة يمثل الخطوة الأولى في البحث عن طريق النهضة.

أسباب إخفاق النهضة

يصل الكتاب في هذا الفصل إلى تحليل تعثر المشروع النهضوي. يبدأ المؤلف بتتبع مسار الإصلاحات التي ظهرت في القرن التاسع عشر. هذه الإصلاحات واجهت عراقيل سياسية وبنيوية حالت دون استمرارها، فبقيت التجربة النهضوية متقطعة وغير قادرة على التحول إلى مشروع تاريخي مستقر.

ثم يشير إلى تحول بارز في الفكر الإسلامي خلال القرن العشرين. الاهتمام بالتقدم واللحاق بالحضارة الحديثة تراجع لصالح خطاب يركز على حماية الهوية في مواجهة التحديات الخارجية. هذا التحول غيّر طبيعة النقاش الفكري وأضعف الحضور المركزي لفكرة النهضة.

كما يتوقف المؤلف عند القطيعة التي نشأت بين التيار الإصلاحي الذي عبّر عن روح النهضة الأولى وبين تيارات إحيائية أعادت قراءة التراث في اتجاه مختلف. هذه القطيعة منعت تراكم التجربة الفكرية وأثرت في قدرة المشروع النهضوي على الاستمرار. ينتهي الفصل بعرض التفسيرات المختلفة التي قدمها الباحثون لتعثر النهضة، مع ملاحظات نقدية تبرز حدود كل تفسير.

دراسات مقارنة حول عصر النهضة

يضم الفصل الأخير ثلاث دراسات تكمل الصورة العامة للتجربة النهضوية. الدراسة الأولى تتناول خصائص الفكر العربي في تلك المرحلة. تعرض القضايا الكبرى التي شغلت المفكرين مثل الإصلاح والتجديد والتحديث، وتوضح التيارات الفكرية التي شاركت في تشكيل الخطاب النهضوي.

الدراسة الثانية تبحث في علاقة المثقفين العرب بالغرب. هذه العلاقة اتخذت صورًا متعددة. بعض المثقفين أبدى إعجابًا واسعًا بالحضارة الغربية، في حين اتجه آخرون إلى موقف رافض. وبين الموقفين ظهرت محاولات تسعى إلى تفاعل انتقائي يهدف إلى الاستفادة مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية.

أما الدراسة الثالثة فتركز على مفهوم التقدم في فكر الإصلاحيين المسلمين. يناقش المؤلف الشروط التي ربطها هؤلاء المفكرون بإمكان تحقق التقدم، مثل الإصلاح الديني، وتطوير التعليم، وترسيخ الحرية السياسية، والانفتاح على المعرفة العلمية.

هذه الدراسات تمنح الكتاب بعدًا مقارنًا يوسع فهم تجربة النهضة ويضعها داخل سياقها الفكري والتاريخي الواسع. هكذا تتكامل فصول الكتاب لتقديم قراءة تحليلية لتجربة النهضة العربية، قراءة تحاول فهم نشأتها ومسارها والعوامل التي أثرت في مصيرها.

صفحة ”سالم يفوت“ على الفيسبوك