آخر تحديث: 16 / 3 / 2026م - 7:57 م

إنتبه.. الطريق مراقب بالرادار

باسم آل خزعل

على الطرقات لافتة مألوفة تقول: انتبه.. الطريق مراقب بالرادار.

جملة قصيرة لكنها تحمل رسالة واضحة، خفف سرعتك فسلامتك وسلامة الآخرين مسؤولية، وغالبا ما تأتي بعدها كاميرا ترصد كل تجاوز للسرعة فلا مجال للفوضى ولا للتهاون.

ولو تأملنا قليلا لوجدنا أن حياتنا اليومية بحاجة إلى رادارات من نوع آخر، رادارات تراقب فلتات اللسان. فاللسان مثل السرعة إذا ترك بلا ضابط تجاوز الحد المسموح وضبط مخالفة على قدر تلك السرعة وربما أوقع صاحبه في مخالفة أخلاقية قبل أن تكون اجتماعية، وكم من سؤال ظنه صاحبه عاديا لكنه اقتحم خصوصية الآخرين دون استئذان.

تجد شخصا يبدأ حديثه مع طفل صغير بريء بسلسلة من الأسئلة، تحب ماما أم بابا، ماذا يفعل والدك، وماذا تقول أمك في البيت، فيتحدث الطفل ببراءته عن تفاصيل عالمه الصغير بينما يظن السائل أنه يمازح أو يتسلى، غير مدرك أنه تجاوز حدودا لا ينبغي تجاوزها وأن براءة الأطفال ليست نافذة مفتوحة لفضول الكبار.

وتجد آخر يقابل شابا في مقتبل العمر فيفتح معه حوارا ما يشبه التحقيق، أين تدرس، ماهو تخصصك هل تخرجت من الجامعة، هل وجدت وظيفة، لماذا لم تتزوج بعد، وكأن حياة الناس ملفات مفتوحة يحق لكل عابر أن يقلب صفحاتها، مع أن خلف هذه الأسئلة ظروفا لا يرغب صاحبها في شرحها ولا يجد سببا ليعرضها أمام الجميع.

وفئة أخرى لا يبدأ حديثها إلا بالأسئلة عن المال والممتلكات، هل امتلكت منزلا، في أي حي، كم هي مساحته، وكم كلفك، وكأن قيمة الإنسان تختصر فجأة في جدران ذلك البيت، وإن لم تأت الإجابة بما يرضي فضولهم يبدأ النقد والنصح وكأنهم خبراء في حياة الآخرين وهم لا يعرفون شيئا عن ظروفهم ولا عن خياراتهم.

الحوار في جوهره فن إنساني راق وليس استجوابا، والكلمة اللطيفة تفتح القلوب والحديث الخفيف يدخل السرور، أما الأسئلة الثقيلة فقد تترك أثرا صامتا في النفوس لا يراه أحد لكنه يبقى طويلا. وقد قيل قديما حدثوا الناس بما يسرهم لا بما يسوؤهم، وهي قاعدة بسيطة لو التزم بها الناس لاختلفت نبرة أحاديثنا كثيرا.

لذلك كما نلتزم بالسرعة المحددة على الطريق حفاظا على السلامة يجدر بنا أن نضع رادارا داخليا لحديثنا يسبق الكلمة قبل خروجها، يسألنا هل هذا السؤال مناسب، وهل سيسعد من أمامي أم سيحرجه، وهل في حديثي احترام لخصوصيته وتقدير لظروفه.

فليكن حديثنا مساحة للبهجة لا للتضييق وللتقدير لا للتطفل وللإنصات لا للتحقيق، وعندها فقط سنفهم المعنى الأعمق لتلك اللافتة التي نقرأها كل يوم، الطريق مراقب بالرادار لسلامتكم، وكذلك الكلمة إن لم يراقبها صاحبها قد تتجاوز الحد وتترك خلفها أثرا لا يمحوه الاعتذار.