آخر تحديث: 16 / 3 / 2026م - 7:57 م

الوداع الوداع، يا شهر الصيام

حكيمة آل نصيف

محاسبة النفس عند وداع شهر رمضان أمر مهم يحتاج إلى وعي وبصيرة تكشف الطريقة المثلى والمعبرة عن تعامل يليق بشأنه، فذلك الضيف قد أقبل محملًا بهدايا لا تُقدّر بثمن، أدناها - كما في الروايات الشريفة - غفران الذنوب لمن صامه مخلصًا ومتورعًا عن محارم الله تعالى فيه. وليس من المعقول أن يحيا الإنسان فيه متجلببًا برداء الطاعة والخوف من الله تعالى، ومتسلحًا بالهمة العالية في ساحة إتيان الأعمال الصالحة والتقرّب من الله تعالى في تلك القطعة الزمنية المخصوصة، شهر رمضان، ويعاود بعد انقضائه حالة الغفلة والانشغال بالأمور الدنيوية والتخلي عن المكتسبات الإيمانية والروحية.

بل الهدف الأسمى من مدرسة الصيام في شهر رمضان هو تربية النفس على اليقظة الروحية وتهذيبها من الرذائل الأخلاقية وتوعية الضمير الإنساني، فهل من الحكمة والوعي أن تُختم تلك الرحلة الروحية العميقة بالعودة إلى منطقة الفراغ والضياع، بعد أن تسللت فيه الأنوار الإيمانية إلى أعماقه، واستشعر روح الفضيلة والاستقامة والترفعَ عن ارتكاب النقائص والعيوب؟

بل اللائق والأجدر بنا أن يكون للضيف الكريم وداع يليق به ويعبّر عن استيعابنا للغاية المقصودة منه، وذلك من خلال إجراء مراجعة تربوية شاملة لكل ما اكتسبناه من جوائز سَنِيّة أتحفنا بها كزاد إيماني، كالمحافظة على الصلاة في أوقاتها أو التلاوة الواعية لكتاب الله تعالى والأدعية. ولذا نجد في الأدعية مقاطع تعبّر عن مشاعر الحزن والألم لفراق الشهر الفضيل، وذلك لما فيه من الغنائم والصفات المكتسبة من خلال الصوم الأخلاقي، والذي حافظنا فيه على حرمة الشهر الكريم من التجاوز وارتكاب المخالفات.

الوداع الواعي واللائق بشهر رمضان هو إجراء المحاسبة والمراجعة الذاتية لكل ما يصدر عنه من أقوال وأفعال وتصرفات، فيلاحظ ما يتصف به من سلوكيات خاطئة أو أساليب وطرق انفعالية فيعمل على تغييرها، وذلك من خلال الابتعاد عن العوامل المؤدية إليها وما يوقعه في الخطايا. كما تشمل علاقته بالله تعالى، وتلاوته لكتاب الله تعالى، وصلاته، وبقية الواجبات المفترضة عليه. والأهم هو اكتساب تلك المضامين الأخلاقية للعبادات وتطبيقها على أرض الواقع، فالمؤمن يدرك أن شهر رمضان كان ميدانًا لتصفية النفس من الأهواء والشهوات المتغلغلة فيها، وطريق النجاة والفوز برضوان الله تعالى هو التوازن بين الخوف من الله تعالى والرجاء والأمل في عفوه ورضوانه.

ومن جوانب الوداع اللائق العزم على الاستمرار في المكتسبات الرمضانية، كتلاوة كتاب الله تعالى، وبقية الطاعات طوال العام. فإذا كان الصيام قد درّب الإنسان على ضبط شهواته فإن المطلوب أن يستمر هذا الضبط بعد انتهاء الشهر، وإذا كان القرآن حاضرًا في حياة المؤمن في شهر رمضان فينبغي أن يبقى رفيق دربه بعده، فالمؤمن الذي عاش أجواء التلاوة والتدبر في لياليه ينبغي أن يحافظ على هذا النور ليبقى القرآن مرجعًا له في الفكر والسلوك.