آخر تحديث: 3 / 2 / 2026م - 1:14 م

سمعة الدوري على المحك

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

بعد كل جولة تقريبًا في دوري روشن السعودي يتكرر المشهد نفسه، حالات تحكيمية مثيرة للجدل، لقطات تُعاد مرارًا، نقاشات تلفزيونية طويلة، ومحللون يختلفون حول قرارات قيل إنها أثّرت في نتائج المباريات، بل إن الجدل امتد حتى إلى المؤتمرات الصحفية للمدربين. وعندما يتكرر ذلك أسبوعيًا، لم تعد القضية خطأً فرديًا، بل انطباعًا عامًا يمس صورة الدوري بأكمله.

هنا لا يعود التحكيم مسألة فنية فقط، بل قضية سمعة تمس قيمة الدوري نفسها. في الرياضة الحديثة، السمعة أصل اقتصادي لا معنوي؛ فهي ببساطة مستوى الثقة في المنتج. هل يُنظر إلى الدوري كمنافسة واضحة ومستقرة، أم مسابقة يحيط بها الجدل؟ هذه النظرة هي التي تحدد قيمة النقل التلفزيوني والرعايات وجاذبية الدوري خارجيًا.

بناء السمعة يحتاج سنوات من العمل المتراكم، لكن فقدانها قد يحدث خلال موسم واحد.

تعالوا معي نستعرض مثالا مباشرا من التاريخ. قبل عام 2006 كان الدوري الإيطالي من أقوى الدوريات في العالم. أندية تاريخية، جماهير ضخمة، نجوم عالميون، وتسويق دولي واسع. كل عناصر القوة المالية كانت موجودة. ومع ذلك، عندما ظهرت فضيحة التلاعب التحكيمي، انهارت الصورة بسرعة، هبوط أحد أكبر الأندية، سحب بطولات، انتقال لاعبين كبار، انخفاض الحضور الجماهيري، وتراجع قيمة حقوق النقل. الأموال لم تحمِ الدوري. النجوم لم يمنعوا الانهيار. السبب كان واضحا، عندما سقطت السمعة، سقطت الثقة، وتراجعت معها القيمة السوقية.

في المقابل، تعامل الدوري الإنجليزي مع الملف بطريقة مختلفة. الأخطاء التحكيمية موجودة هناك أيضًا، لكن الإدارة أكثر شفافية في التواصل. تُنشر تقارير تفسيرية للحالات الجدلية ويُشرح القرار قانونيًا، وفي بعض الوقائع الكبيرة تصدر تسجيلات رسمية للحوار بين حكم الساحة وغرفة الفيديو لتوضيح ما دار أثناء المراجعة. الهدف هو تقليل الغموض. فعندما يفهم الجمهور كيف اتُّخذ القرار، تتراجع مساحة الشك حتى لو استمر الجدل.

وهنا يجب أن نتوقف عند نقطة تقنية الفيديو. وجود التقنية وحدها لا يكفي. الكاميرات تحسم اللقطة، لكن الشفافية هي التي تبني الثقة. القرار الصادر من غرفة مغلقة، يخلق تساؤلات أكثر مما يخلق قناعة. الحل بسيط وعملي هو تقرير رسمي بعد كل جولة يوضح الحالات المؤثرة بالصوت والصورة مع تفسير قانوني مختصر. عندما يرى الجمهور اللقطة ويسمع النقاش، يختفي الغموض.

قد يقال إن الميزانيات الكبيرة تكفي لجلب أفضل اللاعبين وصناعة دوري قوي. لكن الواقع مختلف. المال يشتري لاعبًا ومدربًا ومنشأة، لكنه لا يشتري السمعة ولا ثقة الجمهور. الثقة تُبنى بمرور الوقت ولا تُشترى بعقد. يمكن شراء النجوم خلال أيام، لكن لا يمكن شراء مصداقية المسابقة. وعندما تهتز هذه المصداقية، تنخفض القيمة مهما كانت الميزانية كبيرة. التجربة الإيطالية أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن وفرة المال لا تحمي من خسارة السمعة، بينما الدوريات الأكثر استقرارًا تثبت أن السمعة هي التي تجلب المال، وليس العكس.

اليوم، ومع الدعم الكبير الذي تقوده وزارة الرياضة لتطوير كرة القدم، أصبح الدوري مشروعًا يتجاوز حدود النتائج داخل الملعب. كل لقطة تنتشر عالميًا خلال دقائق، وكل جدل متكرر يتحول إلى انطباع دائم. والانطباع هو ما يحدد قيمة أي دوري في السوق.

القضية ليست فرقًا تتنافس، بل دوري نحمي سمعته. فالسمعة أكبر من أي نتيجة، وعليه التحرك من المسؤول لم يعد خيارًا بل ضرورة قصوى.