أبشركم تقاعدت
تحدَّثنا في المقال السَّابق عن كيفية اتِّخاذ قرار التقاعد، وعمن نسأل، ولماذا لا تصلح الإجابة الواحدة للجميع، وكيف تختلف ظروف الناس من شخص إلى آخر، ليصل الإنسان في النهاية إلى قناعة:
هل أتقاعد الآن… أم أنتظر؟
وهنا نفتح صفحة مختلفة، لا عن القرار ذاته؛ بل عن الحياة بعد أن يُتخذ القرار؛
لأن اتِّخاذ القرار لا يعني نهاية الأسئلة؛ وإنَّما بدايتها الحقيقية.
كثيرون يدخلون التقاعد وهم يحملون في داخلهم حلمًا يبدو بسيطًا، لكنه عميق الأثر؛ حلم الحياة بلا عمل، بلا التزام يومي يفرض إيقاعه، بلا دوام ثابت، ولا مدير، ولا منبّه يقطع النوم كل صباح.
يحلمون بوقت مفتوح، وبحرية مؤجلة طال انتظارها، ويتساءلون في سرّهم: متى سأكون حرًا لأتفرغ لما أحب؟ متى أسافر دون أن أعدّ الأيام؟ متى أعيش دون أن يسبقني الوقت؟
وحين يتحقق هذا الحلم، ويستيقظ الإنسان في أول صباح بلا التزام، يكتشف أن السؤال الذي كان ينتظره لم يكن كما تخيّله.
فبدل أن يسأل: ماذا سأفعل اليوم؟
يجد نفسه يسأل: هل كنت أكره العمل حقًا، أم كنت أكره شكلًا معينًا منه؟
فالعمل لم يكن مجرد وظيفة نؤديها أو أجرًا ننتظره في نهاية الشهر؛ بل كان إيقاعًا ينظّم الحياة، وسببًا للنهوض، ومساحة للشعور بالقيمة، وجسرًا يوميًا للعلاقة مع الناس، ومنظومة من الخطط والأهداف المؤرخة والمنظمة، نعرف متى نبدأها، ومتى نصل إليها، ومتى نشعر أننا حقَّقنا شيئًا يستحق الرضا.
وها أنا قد تقاعدت.
فمضت الأيام، ثم الشهور، وربما السنين، وعدت أسأل نفسي بهدوء:
هل كنت محقًا في أحلامي القديمة؟
هل كنت أظن فعلًا أن التحرر من المدير، ومن الحضور والانصراف، ومن ساعة المنبّه، كافٍ ليصنع حياة أكثر راحة واتزانًا؟
والإجابة عن هذا السؤال لا تكون بنعم أو لا،
بل تتشكل في نمط الحياة الذي يعيشه الإنسان بعد التقاعد.
وهنا نفتح بابًا واسعًا من حياة المتقاعدين، بابًا لا يُقاس بعدد الأنشطة ولا بكثرة الفراغ، بل بقدرة الإنسان على إعادة تنظيم يومه، وإعادة تعريف علاقته بالوقت، وبذاته، وبما يريد أن يكونه في هذه المرحلة الجديدة.
بعض البشر لم تتغير عليهم الساعات قبل التقاعد ولا بعده، لا لأنهم أسرى العمل؛ ولكن لأنَّهم منشغلون بما هو أعمق من الوظيفة.
انشغلوا بأمور الحياة المهمة، لا بوصفها أعمالًا رسمية؛ بل بوصفها مسؤوليات إنسانية؛ بأنفسهم، وبأسرهم، وبمجتمعهم.
هذا النوع من الناس لم ينسَ أسرته بعد التقاعد، ولم يبخل على مجتمعه بشيء، ومنحهم جزءًا من وقته الثمين.
تجده حاضرًا في الجمعيات الخيرية، والمساجد، والمناسبات الاجتماعية، والأندية الرياضية ومتابعًا لهموم الآخرين، مشاركًا فيها بصدق لا بتكلف.
وعلى هؤلاء، تبدو نعمة التقاعد واضحة وضوح الشمس. فلو سألته عن تقاعده، لقال لك بهدوء واطمئنان: نعم، أشعر براحة تامة.
لا لأنني تقاعدت فحسب؛ بل لأنني تفرغت أكثر لأسرتي، ولمجتمعي، ولحياتي التي تأخرت طويلًا خلف زحمة العمل.
وفي المقابل، هناك نوع آخر من المتقاعدين، لم يتقاعد عن العمل فقط؛ بل تقاعد عن بذل القليل لنفسه، ولأسرته، ولمجتمعه.
تجده ينام أكثر مما هو مستيقظ، ويقضي جل وقته خارج منزله أكثر مما يقضيه مع أسرته، وكأن البيت أصبح محطة عابرة لا موطنًا. وهذا النوع قد يصلح أن نطلق عليه العبارة: ”يعيش ليأكل لا يأكل ليعيش“.
أما المجتمع، فحدِّث ولا حرج؛ لا يعلم من شؤونه إلَّا الأخبار، وبعضهم حتَّى الأخبار ابتعد عنها، بحجة واحدة يكررها كلما سُئل:
أنا متقاعد.
وهنا لا تكون المشكلة في التقاعد ذاته، وإنَّما في الفهم الخاطئ لمعناه، حين يتحول من فرصة لإعادة الحياة إلى انسحاب هادئ منها.
التقاعد اختبار صادق للحياة بعد العمل، وليس نهاية الطريق، ولا فراغًا يجب ملؤه.
وإلى اللقاء الأخير في عالم التقاعد.
















