لا تكن في الحياة مثاليًا
منذ الصغر وأثناء تربيتنا الاجتماعية وتعليمنا في المؤسسات التعليمية نشأنا لاكتساب مهارة المثالية في التعامل مع الحياة وكان المطلوب منا سواءً من الأهل والأحباب أو من المعلمين الأخيار أو من المدراء والرؤساء في مختلف الأعمال فكرة جميلة في ظاهرها ومتعبة في باطنها ألا وهي: كن مثاليًا.
يُطلب منا في بيئتنا العلمية والعملية العمل المثالي كقولهم: كن الطالب المثالي، والابن المثالي، والموظف المثالي، وحتى الصديق المثالي. ومع الوقت نكتشف أن هذه المثالية عندما تزيد عن حدها الطبيعي لا تصنع السعادة بل تصنع الإرهاق والتعب، فالحياة المثالية على الورق تبدو أنيقة ومرتبة، لكن على أرض الواقع هي مليئة بالضغط والتكلّف، وهو أن تراقب كل كلمة تقولها، وكل تصرّف تفعله، وأن تخشى الخطأ وكأنه جريمة، هذا ليس عيشًا هادئًا، بل سباق لا ينتهي مع نفسك.
كثير من الناس يظنون أن المثالية تعني النجاح، بينما الحقيقة أن البساطة هي التي تمنح الطمأنينة وأن يكون التعامل بين البشر طبيعيًا بالأخلاق واحترام الحقوق وتبادل المحبة والمودة بينهم، فالحياة البسيطة لا تطلب منك أن تكون بلا أخطاء، بل أن تكون صادقًا مع نفسك، طبيعيًا، عفويًا، إنسانًا كما خُلِقت.
ومثال ذلك الأم التي تريد من ابنها أو ابنتها أن يكون كاملًا في كل شيء ولا عيب في ذلك وهو مطلوب بحدود الاستطاعة كحصوله على درجات كاملة في المدرسة، أخلاق لا تخطئ، تصرّفات سلوكية، وصورة مثالية أمام الناس. وتكون النتيجة: الابن يتعب، والأم تتعب، وتضيع العلاقة بين التوقعات الثقيلة والواقع البشري. بينما القليل من التفهّم، والقبول، واللين، يصنع طفلًا أكثر توازنًا والأم في راحة من أمرها.
بيئة العمل أيضا مطلوب من الموظف أن يكون مثاليًا ولا ضير في ذلك بحدود الاستطاعة البشرية وترى أحيانا بعض المؤسسات تعلق على جدارها لوحة تحفيز أو لوحة الموظف المثالي لهذا الشهر وهي جيدة بحد ذاتها وإنما المثالية الزائدة تكون مرهقة على الموظف الذي يريد أن يفعل كل شيء بلا أي خطأ فيعيش تحت ضغط دائم، ومن حوله يشعرون بهذا التوتر. فالعمل يحتاج إلى إتقان، نعم، لكنه يحتاج أيضًا إلى إنسانية، إلى سماح بالخطأ والتعلّم، لا إلى جلد الذات والآخرين.
أجمل الناس أولئك الذين يتعاملون بطبعهم الطبيعي، بلا تصنّع ولا أقنعة، اللطيف بعفويته، المتسامح بأخطائه، الذي يبتسم دون حساب، ويعتذر دون كِبر ولا غرور، هؤلاء يكونون بلسمًا على أرواح من حولهم، لا عبئًا إضافيًا في حياة متعبة أصلًا.
لا تكن مثاليًا… كن حقيقيًا، كن إنسانًا تؤدي واجباتك على أكملها بحدود الاستطاعة.
كن بسيطًا، فالهدوء يسكن البساطة، واعلم بأن السعادة لا تحب التكلّف.
كن شبيهًا لنفسك كما أنت ويقبلونك كما أنت في تصرفاتك وعملك بدون تقصير ولا تفريط فالحياة أقصر من أن نعيشها نطارد صورة إنسان لا يشبهنا.
















