من مفاخرنا المناجاة الشعبانية
رغم أن الدعاء عُد من أكبر وأعظم الأسلحة التي يتمترس بها المؤمن في جميع حالاته، بل هو الملجأ حتى في أبسط الأشياء وطلب شسع النعل؛ كما دلت عليه الروايات، لذا وجب على المؤمن الاهتمام الكبير بالدعاء ولا سيما في شهر أُمرنا أن نستن فيه بسنن رسول الله ﷺ.
وربما اعتبر البعض الدعاء حالة استثنائية يلجأ له حين المرض أو الضرر أو الكروب التي تلم به، لكن واقعه أعمق بكثير؛ فقد عبر عن ذلك صاحب الزمان في دعاء الافتتاح المروي عنه بأن الدعاء يحتاج إلى إذن من الله حتى يوفق له ”اَللَّهُمَّ أَذِنْتَ لِي فِي دُعَائِكَ وَمَسْأَلَتِكَ“.
ومن التجارب العملية في القرآن الكريم لأثر الدعاء في تخليد حادثة أهل الكهف، ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ فهم لم يمتلكوا الأسلحة الفتاكة أو الأموال الطائلة والمكانة الاجتماعية، وإنما انفتح لهم باب الدعاء، وأخلصوا فيه ليكتب لهم الخلود حتى يرث الله الأرض ومن عليها في قرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار.
إن المناجاة الشعبانية العظيمة التي وردت عن أمير المؤمنين
من أعظم الأدعية التي واظب على قراءتها المعصومون
في شهر شعبان، والتي تتميز بالمضامين العالية من حيث التذلل والانقطاع التام إلى الله.
وقد كرس جملة من أهل السلوك والعرفان اهتمامهم بها حتى عدها الإمام الراحل قدس الله سره من مفاخرنا وهي كما يقول كاشفة عن عظمة وإمامة أهل البيت
، بل قال رحمه الله ”فلو لم تكن هناك من الأدعية إلا المناجاة الشعبانية لكانت كافية“، لأنها تختصر رحلة العبد نحو الخالق وقد أوصى أن تكون هذه المناجاة رفيقة الخلوات، فهي الباب الأوسع لتطهير الروح قبل ضيافة شهر الرحمن.
كما تطرق العارف الملكي التبريزي قدس الله سره بقوله ”وهي مناجاة عزيزة على أهلها يحبونها ويستأنسون بشعبان من أجلها، بل ينتظرون مجيء شعبان ويشتاقون إليه من أجلها“، ثم يردف بقوله: "في هذه المناجاة علوم جمة في كيفية تعامل العبد مع الله جل جلاله، وبيان الأدب الذي ينبغي أن نلتزم ونتأدب بها عندما نسأل الله تعالى في حوائجنا وندعوه سبحانه ونستغفر، وفيها استدلالات لطيفة تليق بمقام العبودية في مقام الرجاء ورفع الشبهات وشكوك المنكرين.
وهي لعظمتها قد حث العلماء على المداومة عليها ليس في خصوص شهر شعبان فقط بل طيلة أيام السنة وسائر الحالات القربية.
ومن التأملات فيها:
”اِلهي هَبْ لي كَمالَ الانْقِطاعِ اِلَيْكَ“: حيث طلب أسمى وأعلى درجات القرب للوصول إلى معدن العظمة لتصبح الأرواح معلقة بعز القدس.
وفي جزء آخر يقول: ”وَبِيَدِكَ لا بِيَدِ غَيْرِكَ زِيادَتِي وَنَقْصِي وَنَفْعِي وَضَرِّي“ وهذه العبارات كافية للإنسان لأن يجابه أعظم المخاطر، بل هي منجية من أعظم المخاوف؛ فحين تستيقن أن عنقك بيد الله فمن يستطيع أن يخيفك؟ وكيف تستطيع أن تتزلف أو تحابي وتأمل غير الله، والأمر بيده سبحانه.
وخلاصة القول؛ إن المناجاة تعين السالك إلى الله على ثلاثة أمور:
1. الاعتراف بالخطيئة والذنوب: الإقرار بالتقصير والجهل أمام الله، وهو يرسخ التواضع ويحرك النفس نحو طلب المغفرة.
2. العودة والأوبة «التوبة»: التوجه الصادق إلى الله تعالى بطلب الرضا والرحمة، والانقطاع إليه بعد الانفصال والغفلة.
3. السعي إلى المعرفة القلبية: طلب القرب من الله والتوغل في ساحة قُدسه، حيث يُضيء الإيمان قلب السالك ويجعله متيماً بحب الله تعالى.
ومن عظيم بركات هذا الشهر نحن مقبلون على لّيلة النصف المبارك ففيها بزوغ سلطان العصر وإمام الزّمان أرواحنا له الفداء، حيث ولد عند السّحر في سرّ مَن رأى، وهذا ما يزيد هذه اللّيلة شرفاً وفضلاً.
فلنستثمر هذه الفرصة ونعتني بهذه الليلة ويومها بالعبادة والتوجه لله، ونجعل الاحتفالات في الليلة التي بعدها كما هي العادة الحميدة لبعض المؤمنين في بعض مناطق الشيعة؛ سائلين الله أن لا تعود علينا من قابل إلا مع وليه الأعظم وهو يملأ الأرض قسطا وعدلا.
















