الغنى والاقتدار
ورد عن الإمام الصادق
: «من قرأ القرآن فهو غنيٌّ، ولا فقر بعده وإلاّ ما به غنىً» [الكافي ج 2 ص 604].
لا بد من رسم علاقة معرفية بكتاب الله تعالى يتجلى من خلالها تلك الومضات والمضامين المستخلَصة من الآيات القرآنية، حيث تمثل قناديل تنير درب الإنسان على مستوى الأصعدة والجوانب الإيمانية والأخلاقية والاجتماعية، ولذا يقرّب الإمام
الصورة بوضع رمزي يشبه القرآن الكريم بالكنز الذي يُغرف منه وتُستخرج اللآلئ المعرفية، فالغنى الحقيقي ليس مجرد الحصول على الأموال ويقابلها الفقر والعازة بعدم تحصيلها، بل هو غنى النفس والظفر بحالة الطمأنينة والسكينة في وسط أمواج الظروف الحياتية الصعبة، فمرض العصر هو القلق وبؤر التوتر بسبب ما يواجهه الفرد من أزمات ومشاكل، فيقدم كتاب الله تعالى وصفة راحة تبعد شبح القلق النفسي عنه مهما كانت قساوة الظروف، وذلك أن القراءة الواعية لكتاب الله تعالى تعني التعلّق الروحي والفكري بمعارفه ومقاصده؛ لتتحوّل إلى بوصلة في طريقة تفكيره ومجريات سلوكه وتصرفاته، والتي تبدأ من أساس متين وهو القدرة الإلهية المطلقة والتدبير الحكيم لمجريات أموره، فإن داهمه الزمن الصعب بما يقلق ألقى عليه برد ومعين الهدوء النفسي الذي اكتسبه من مضامين الآيات القرآنية ومقاصدها المتنوعة.
كما أن النظر للأمور المحيطة به والخط الذي يسير عليه والأهداف التي يتطلّع إلى تحقيقها، بما يتناسب وخلقته المكرمة من الضعف والتكاسل والانجرار نحو النقائص والمعايب، فتلك المعارف القرآنية تكسبه الوعي والنضج الفكري والبصيرة في عواقب الأمور، كما أن القيم والمنظومة الأخلاقية المذكورة في كتاب الله تعالى تضفي عليه صبغة الاستقامة والثبات، وتدفع عنه شوائب الرذائل الأخلاقية بعد تنوّر عقله بمضارها وآثارها السلبية عليه.
القرآن الكريم يعقد في قلب المؤمن مبدأ الثقة بالله تعالى ويجعله أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثقة وإيمان مهما كانت حالته وظروفه، فقراءة القرآن الكريم هي رحلة مستمرة نحو الغنى الحقيقي - غنى القلب والعقل والروح -، وهي الطريقة التي تجعل الإنسان يعيش حياة متوازنة مليئة بالرضا والسعادة والسكينة بعيدا عن صخب الماديات ومظاهرها الخدّاعة، ومقتربا أكثر فأكثر من الله عز وجل ورضاه إذ يجعل بوصلة تفكيره وتصرفاته وفق الرضا الإلهي وتجنب موارد سخطه.
الغنى الحقيقي هو الذي يملأ قلب الإنسان ويجعله مستقلّا روحيا ونفسيا مهما كانت حالته المادية وظروفه، والقراءة المتأنية للقرآن تملأ قلب الإنسان بالطمأنينة وتمنحه شعورا بالرضا والاكتفاء الذاتي، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ﴿الرعد الآية 28﴾ .
فالقرآن هو الغذاء الروحي الذي يجعل الإنسان غنيّا بغنى لا يزول ويجعل القلب أقل اعتمادا على الماديات وأكثر اتصالا بالمعاني العليا، والإمام الصادق
يوضح أن من يقرأ القرآن فهو غني؛ لأنه يمتلك مصدر قوة داخلي لا تهزه الظروف ولا يحده نقص المال أو الضيق، هذا الاكتفاء النفسي يخفف القلق والاضطراب ويزرع الطمأنينة في النفس، ويجعل الإنسان أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة بثقة وإيمان، فالغنى الحقيقي هو شعور الإنسان بالاكتفاء مهما كانت الظروف المحيطة صعبة.
















