بعيدًا عن الأضواء
كثيرون يملكون الموهبة، لكن القلة فقط يملكون الشجاعة ليسمحوا لها أن تتنفس. ليس لأن الموهبة ناقصة، بل لأن أصحابها يتوارون وراء خجل يلفّه الخوف من نظرة الآخرين والتي هي أعلى صوتًا من النداء الداخلي الذي يقول.. جرّب وأظهر ما لديك.
قصة الفنان إبراهيم الميلاد، هذا الرجل الستيني الذي حوّل جدران مزرعته إلى لوحات، بعيدًا عن المعاهد والألقاب والمنصات، ليست حدثًا عابرًا، بل رسالة عميقة لكل من دفن هوايته تحت ركام «ما الذي سيقوله الناس..؟». لقد عمل الرجل في الظل، لا طلبًا لاعتراف ولا انتظارًا لتصفيق، وإنما لأن الفن كان طريقته الوحيدة لفهم العالم من حوله.
في الحقيقة، لا يضيع الإبداع لأن أصحابه بلا موهبة، بل لأن كثيرين يجهلون قيمة ما يجيدون، أو يظنون أن ما يفعلونه لا يستحق أن يُرى. فيُطفئون شرارة الشغف بأيديهم، ويتركون مواهبهم حبيسة الظل خوفًا من الاستهانة والاستخفاف. غير أن التاريخ يثبت أن أعظم أشكال الفن وُلدت من محاولات بسيطة، صادقة، لم تتزيّن بالألقاب ولا بالشهادات، بل بالإحساس وحده. فربما ما نراه نحن أمرًا عاديًا، يكون في نظر غيرنا روح فن، ومنبع خيال، وبداية إبداع لم يُكتشف بعد.
ما حرّك القلوب في هذه القصة لم يكن احترافًا أكاديميًا، ولا خطابًا ثقافيًا متكلفًا، بل صدق التجربة. تلك البساطة هي التي جعلت الجدار يتكلم، والنخلة تتحول إلى فكرة، والمساحة الصامتة تنبض بالحياة. هنا تحديدًا يكمن جوهر الفن.. في الإحساس لا في القالب، وفي الرغبة لا في الشهادة.
في ختام المشهد، لا يمكن إغفال اللفتة الجميلة للمستشار تركي آل الشيخ، التي جاءت كترجمة طبيعية لدور المسؤول الواعي، المتابع لما يحدث في محيطه، والقادر على التقاط القصص الصادقة ووضعها في مسارها الصحيح. فالدعم هنا لم يكن صناعة نجومية بقدر ما كان اعترافًا بقيمة إنسانية وفنية تشكلت بعيدًا عن الأضواء، ثم وجدت من يراها حين حان وقتها.
إن الضوء لا يصنع الموهبة، لكنه يكشفها. والموهبة الحقيقية قد تصبر طويلًا في الظل، لكنها تستحق حين تظهر أن تُقابل بالإنصاف لا بالدهشة المؤقتة. لذلك، على كل من يملك شغفًا، أيًا كان شكله، ألا يخجل منه، وأن يمنحه فرصة الظهور، لا طلبًا للشهرة، بل احترامًا لتلك الشرارة الداخلية التي اختارت أن تسكنه دون غيره.
في النهاية، ليست الموهبة ترفًا يُمارس حين تتوافر الظروف، ولا حكرًا على من امتلك الأدوات أو وضع نفسه في دائرة الضوء حتى حظي بالاعتراف المبكر. هي مسؤولية شخصية وواجب صادق تجاه الذات قبل أن تكون عرضًا للآخرين. إظهار الشغف ليس ادعاءً، وإخفاؤه ليس تواضعًا دائمًا، أحيانًا يكون تفريطًا فيما أُودِع فينا من قدرة على الإبداع والتأثير. لذلك، على كل من يحمل موهبة، صغيرة بدت أم كبيرة، أن يمنحها حقها في الظهور، وأن يثق بأن العمل الصادق، حين يُترك على طبيعته، لا يضيع.. بل يجد طريقه، ولو بعد حين.
















