آخر تحديث: 2 / 2 / 2026م - 7:09 م

الفرح الواعي

رضي منصور العسيف *

ورد عن الإمام الصادق أنه قال: «يفرحون لفرحنا» [1] .

من هذا المنطلق النبيل، ومن هذه الدعوة التي غرسها أهل البيت في وجدان محبيهم، ينبع حرصنا على إقامة الاحتفالات البهيجة التي تنثر الفرح في أرجاء المجتمع، وتوقظ القلوب على معنى الانتماء والولاء. ولهذا يتفنّن الرواديد والخطباء والمنشدون والناشطون الاجتماعيون في إحياء مناسبات مواليد أهل البيت، في مشاهد تفيض حبًّا وبهجةً ورسالة.

وفي مناسبة ميلاد الإمام المنتظر «عجّل الله فرجه الشريف»، توقّفتُ عند بعض المشاهد، أحببت أن أنقلها كما رأيتها… نابضةً بالحياة:

-1-

لمحته وسط زحمة المحتفلين، يدفع كرسياً متحركاً يحتضن طفله ذي الأعوام السبعة. كانت البسمة ترتسم على وجهه، فرحاً لا تخطئه العين.

وصل إلى بيتي، رحّبت به، وسألته:

— ما اسمك؟

قال بثقة وابتسامة:

— اسمي مهدي.

قلت: ما شاء الله… اسم جميل، وماذا تعرف عن صاحب هذا الاسم؟

فأخذ يتحدث بطلاقة، يسرد معلومات صحيحة، وكأنه يستحضر معنى الاسم قبل حروفه.

التفتُّ إلى والده قائلاً:

— ما شاء الله، يبدو أن مهدي من الموهوبين.

فأجابني بفخرٍ هادئ:

— نعم، يقرأ ويحفظ سوراً من القرآن، وهو متفوّق دراسياً، ويحرص على حضور هذه المناسبات.

قلت له:

— نعم… إنها فرحة للجميع، وكسبٌ للروح قبل أن تكون احتفالاً.

-2-

توقفت سيارة بجانبي، وانخفض زجاج النافذة، فإذا بامرأة عجوز تقول بصوتٍ متهدّج:

— أعطني بركة يا ولدي… منذ عام وأنا أنتظر هذا اليوم.

ثم أضافت وقد تلألأت عيناها:

— هذه المناسبة تعيد لي الروح والحياة، هي حقيقة تجري في دمي. نحن لا نحتفل بها لمجرد جمع الحلوى والمأكولات، بل نؤكد حقيقتها، وننشر قيمها ومبادئها.

ابتسمت لها، وأعطيتها البركة، لكنها كانت هي من منحني درساً عميقاً في معنى الإحياء الواعي.

-3-

جاء رجل مع أطفاله، يرتدون أبهى الملابس، وتفوح منهم أزكى الروائح.

قلت لأحدهم:

— ما أجملكم!

فقال بثقة الطفل العارف:

— في هذه المناسبة يجب أن نلبس أفضل الملابس، إنه عيد ميلاد إمامي. هو يحب أن يرى محبيه بأبهى صورة، ويريدنا أن نفرح في يومه.

سألته:

— هل تحفظ دعاء الحجة؟

أجابني مبتسماً:

— نعم، أحفظه وأقرأه كل يوم.

كانت هذه بعض الصور المضيئة التي شهدتها في هذه المناسبة العظيمة، وما أجمل سعادة الإنسان حين يرى هذه المشاهد التي تُنعش القلب وتُبهج الروح.

إننا، ونحن نحيي هذه المناسبة المباركة، نؤكد على ضرورة الإحياء الواعي، وذلك من خلال:

أولاً: التذكير وتثقيف الأجيال بجوهر المناسبة، فهي ليست موسماً للتوزيعات والمظاهر الشكلية، بل مناسبة ذات دلالات دينية عميقة، تستدعي إقامة الفعاليات والدورات الثقافية والدينية التي ترسّخ معارفها وقيمها في النفوس.

ثانياً: تفعيل الإحياء العبادي من صلاةٍ ودعاء، فهي ليلة عظيمة القدر. وقد روي عن الصادق قال: «سئل الباقر عن فضل ليلة النصف من شعبان فقال : هي أفضل الليالي بعد ليلة القدر فيها يمنح الله العباد فضله ويغفر لهم بمنّه، فاجتهدوا في القربة إلى الله تعالى فيها فإنّها ليلة آلى الله عزّ وجلّ على نفسه أن لا يردّ سائلاً فيها مالم يسأل المعصية، وإنّها الليلة التي جعلها الله لنا أهل البيت بإزاء ما جعل ليلة القدر لنبيّنا ، فاجتهدوا في دعاء الله تعالى والثناء عليه» [2] . فحريٌّ بنا أن نجتهد فيها بالدعاء والثناء والقرب إلى الله عزّ وجل.

ثالثاً: اتخاذ هذه المناسبة محطةً لتجديد العهد والولاء مع الإمام «عجّل الله فرجه الشريف»، من خلال قراءة الأدعية الخاصة به؛ كدعاء الندبة، ودعاء العهد، وزيارة آل ياسين، والصلاة عليه، كما نردّد في دعاء الافتتاح:

«اللهم وصلِّ على وليِّ أمرك القائم المؤمَّل، والعدل المنتظر…».

هكذا يكون الإحياء…

فرحٌ واعٍ، وبهجةٌ تحمل رسالة، واحتفالٌ يُنبت في القلوب أملاً، وفي الأرواح انتظاراً حيّاً لا يخبو.

[1]  بحار الأنوار: 53/303

[2]  مفاتيح الجنان
كاتب وأخصائي تغذية- القطيف