نهر الجنون الذي يحبه الناس…!
في كل يوم يفقد الكثير من الناس فضائلَ عقولهم: الحضورَ، والتركيزَ، والعمقَ، والحكمةَ؛ بسبب الهيروين الإلكتروني «وسائل التواصل الاجتماعي» التي بالغت في تشويه ضحاياه. الصمتُ أجملُ فضيلةٍ تحملها النفس، وهو أول ما تتلفه فيها، وأعمق آثاره الترفعُ بعفةٍ عما لا يعنيه، وهذا ما لا تقيمه فيه، وتُخرجه منه…!
التيهُ والعمى صِنوان.
كلاهما لا يهتدي إلى سبيله، ولا يرى عاقبته…!
كان بنو إسرائيل عميانًا مُبصرين في التيه أربعين سنةً، لم يسلبهم الله أبصارَهم، ولم ينتزع منهم ضياءَ النهار وارتفاعَ شمسه، ولكن الذي اكتمل في ذاتهم كل يوم هو السعيُ بلا غاية، والسيرُ بلا هُدى، والنظرُ بلا بصيرة، وامتلاءُ كل نفسٍ بفراغها، الذي يجردها من كل معنى، ومن كل حس لجمال…!
وبعد…
حين يَتردى العمرُ في أرذله…!
حين يعجز السعيُ عن إتمام سعيه…!
حين تتم الغشاوة، وتعظم على البصر…!
أدرك كلُّ مرءٍ منهم أن ضلال السعي ليس سعيًا، وأن السير في الطريق الخاطئ بُعدًا، وأن كل خطوةٍ كانت عقوبةً، وأن كل جهدٍ كان سوءَ اختيار، وأن كل بذلٍ كان إمعانًا في تجريد النفس من نعمها، وحرمانها من عطاياها، وأن الأيام والسنين كانت موتًا حاضرًا تامًا مكتملًا، فكل حجرٍ هو ميتٌ في الحياة، حيٌّ في الموت، وهو في الحياة وخارجها.
وإن تيهَ بني إسرائيل هو ما أنت فيه حين تُخرجك وسائلُ التواصل الاجتماعي من ذاتك، وحياتك الحقيقية، وتأكل أطراف فضائلك، وتُبقيك ميتًا في الحياة، وحَيًا في الصورة والمتخيل، وزَبَدُ شتاتك… وطغيان التافه الذي تلتقطه أصابعك…
لكل نفسٍ غوايتُها، ولكل عقلٍ شواغلُه، ولكل قلبٍ تجلِّيه، ولكل ذاتٍ ضلالُها. والوعي منازلُ ترتفع إليها نفوسٌ، وتنخفض عنه نفوسٌ أخرى عاجزةً عنه، وغير قادرةٍ عليه، ولَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وما هي قادرةٌ عليه.
ولذا، أنت فيما أنت فيه، وما يشغلك على الدوام هو حقيقتك دون زيف ولا تجمُّل…!
إذا رأيت أصابعك تُدير المقاطعَ على الهاتف لساعات كل يوم، متنقلًا بينها، مشغولًا بكل ما لا يعنيك، وما لا تحتاجه نفسُك، فهذا هو حقيقتك، وجوهرك يتجلى عليك: مستوى العقل فيك، ومستوى الحكمة منك، ومرتبة الوعي الذي ينتج الرضا بهذا الإدمان منك…!
التيهُ موتٌ مُعجَّل. احتاج بنو إسرائيل أربعين سنة لترتفع عقولُهم إلى مستوى رؤية التيه الذي انتزع من أعمارهم أربعين سنةً، وقضى عددٌ هائل منهم عمرَه وهو في تيهٍ لم يبلغ الوعيَ به لاكتشافه قبل الموت…
ولكنك تختار لنفسك التيهَ بإرادةٍ واعيةٍ مختارةٍ…
لأنك كغيرك من الناس… تتجه كل يوم إلى نهر الجنون الذي يحبه الناس…!
أيقِظْ وعيَك…
أيقِظْ قلبَك…
وتَرفَّعْ ليرفعك الله إلى ما تستحق من الرفعة.
















