صلوات ليلة النصف من شعبان: نفحاتٌ من العبادة والدعاء في ليلةٍ يفيض فيها الرجاء
تُعدّ ليلة النصف من شعبان من الليالي التي أشرق ذكرها في وجدان المؤمنين عبر القرون، فهي ليلة الرجاء، وليلة المغفرة، وليلة القرب من الله تعالى. فيها تتضاعف الرحمات، وتُفتح أبواب السماء للداعين، ويجد العبد فيها فرصةً صادقة لمراجعة نفسه وتجديد عهده مع ربّه. لذلك لم يكن اهتمام العلماء والعبّاد بها مجرد عادة، بل كان سلوكًا تعبّديًا واعيًا، يتجلّى في الصلاة والذكر والدعاء.
وقد وردت في هذه الليلة المباركة صلواتٌ وأعمالٌ خاصّة نقلها أهل المعرفة والسير، ومنهم السيد ابن طاووس في كتابه إقبال الأعمال، كما واظب عليها عدد من العلماء والصلحاء، لما وجدوا فيها من أثرٍ روحيٍّ عميق وبركةٍ ظاهرة في قضاء الحوائج وتصفية القلوب.
من أهم الصلوات الواردة في هذه الليلة صلاةٌ تُؤدّى بين صلاتي المغرب والعشاء، وهي أربع ركعات، يقرأ المصلّي في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة واحدة، وسورة الإخلاص قل هو الله أحد عشر مرات، وفي بعض الروايات إحدى عشرة مرة.
وهذا التكرار لسورة التوحيد ليس عبثًا عدديًا، بل هو ترسيخٌ لمعنى التوحيد في القلب، وتربيةٌ للنفس على الإخلاص لله وحده. فالمؤمن في هذه اللحظات يكرّر إعلان العبودية الخالصة، وكأنه يجدد بيعته لله تعالى في كل ركعة.
فإذا فرغ من الصلاة جلس للدعاء، فيقول:
يا رب اغفر لنا عشر مرات
يا رب ارحمنا عشر مرات
يا رب تب علينا عشر مرات
ثم يقرأ سورة الإخلاص إحدى وعشرين مرة، ويختم بقوله:
سبحان الذي يحيي الموتى ويميت الأحياء وهو على كل شيء قدير عشر مرات.
وفي هذه الأذكار انتقالٌ بديع من طلب المغفرة إلى استحضار القدرة الإلهية المطلقة، وكأن العبد يقول: يا من بيدك الإحياء والإماتة، أنت القادر على إصلاح شأني وقضاء حاجتي. وقد ورد في فضلها أن من أتى بها استجاب الله دعاءه وقضى حوائجه.
ومن الأعمال أيضًا صلاة ركعتين بعد صلاة العشاء، يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وسورة قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية فاتحة الكتاب وسورة قل هو الله أحد، ثم يأتي بتسبيحات الزهراء
: ثلاثًا وثلاثين تسبيحة، وثلاثًا وثلاثين تحميدة، وأربعًا وثلاثين تكبيرة.
ثم يرفع يديه بدعاءٍ طويلٍ - مذكور في مفاتيح الجنان للعلامة القمي - جامعٍ لمعاني التوحيد والتوبة والرجاء، يبدأ بالالتجاء إلى الله في المهمّات والملمّات، والاعتراف بعلمه بالسرائر والخفايا، ثم يسأله أن يجعله من المرحومين المقبولين، وأن يتجاوز عن خطاياه، ويغمره بكرمه، ويجعله من أوليائه وصفوته.
إن هذا الدعاء مدرسةٌ كاملة في الأدب مع الله؛ فهو يجمع بين الخوف والرجاء، وبين الاعتراف بالتقصير وحسن الظن بالله، وبين الاستجارة بعفوه والاعتماد على كرمه. ثم يُستحب أن يسجد بعده ويكرّر الأذكار المأثورة ويسأل حاجته، وقد رُوي في فضلها أن الله يبلغ العبد حاجته ولو كانت بعدد قطر المطر.
ليست هذه الصلوات مجرّد أعمالٍ شكلية، بل هي رحلةٌ روحية متكاملة. تبدأ بالتوحيد، ثم الاستغفار، ثم التوبة، ثم الدعاء، ثم السجود. وكأن المؤمن ينتقل من مقام الاعتراف بالعبودية إلى مقام القرب والمناجاة.
إنها تربيةٌ للقلب قبل أن تكون حركةً للجسد، وتذكيرٌ بأن أبواب السماء تُفتح لمن يطرقها بصدق. ففي هذه الليلة يشعر الإنسان بضعفه وفقره، فيلوذ بالله وحده، ويوقن أن لا ملجأ منه إلا إليه.
إن إحياء ليلة النصف من شعبان بالصلاة والدعاء والذكر هو إحياءٌ للقلب قبل كل شيء. ومن واظب على هذه الأعمال وجد أثرها نورًا في روحه، وسكينةً في صدره، وبركةً في حياته. فهي ليلةٌ لا ينبغي أن تمرّ كسائر الليالي، بل ينبغي أن تُستثمر لحظةً لحظة في التوبة والرجاء.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل هذه الليلة، وأن يكتب لنا فيها المغفرة والقبول، وأن يرزقنا فيها قضاء الحوائج، إنه أرحم الراحمين.
















