أنا لا أفهم ما تقول
التواصل الناجح بين الأفراد والمجتمعات والشركات والدول يؤدي إلى تفادي النقاط العمياء. إلا أنها جملة «أنا لا أفهم ما تقول» أضحت جملة يرددها الكثير من الناس في الديوانيات الافتراضية والواقعية بشكل ملفت. وتقال الجملة «أنا لا أفهم ما تقول» من قبل البعض وبلكنته ونبرة وتعابير وجه ولغة جسد تدل على الامتعاض تارة، أو تدل على السعي من طرف قائلها لإحكام السيطرة على الشخص الآخر بوضعه في خانة الطرف الضعيف في مهارة التواصل. وقد يكون البعض من أولئك أكثر وقاحة، فيقول لمن يتحدث معه «خربطتك هذه غير مفهومة، ابحث لك عن مترجم يترجم لنا ما تقول».
في الآونة الأخيرة، شاهد الكثير حول العالم وعبر الشاشات الفضية ترديد نفس الجملة «أنا لا أفهم ما تقول» بصور مختلفة في مواطن كثيرة ومؤتمرات صحفية رفيعة؛ وقد أطلقها أكثر من شخص ذو مركز وظيفي عالمي مرموق في مؤتمرات صحفية مهمة للاستهزاء أو سحق أو تهميش صحفي بعينه تارة، أو للتهرب والمراوغة عن الإجابة عن الأسئلة الملحة، أو للاستعلاء والغطرسة. فانتقلت الجملة في الاستخدام، إراديًا ولا إراديًا، وعبر انطباعها إلى العقل الباطن للأشخاص ذوي النزعة النرجسية والافتراسية وبعض أتباع حشرة «مع الناس عيد»، عند تعاملهم مع الآخرين، لا سيما الأشخاص البسطاء. ويتداول مضمون تلكم الجملة أهل التهكم تارة، ويستخدمها البعض بقصد تكسير مجاديف الآخرين وثني عزيمتهم وشل قدراتهم في التواصل الفعال، أو وأد أطروحتهم وتشميع أفكارهم. والحقيقة أنها جملة فعالة وشبيهة بالرصاصة القاتلة في بعض الحوارات والمؤتمرات والمواقف، وقد تربك المتحدث، لا سيما إذا كان المتحدث ضحل المعرفة بأساليب المراوغة الكلامية والتضليل الإعلامي والتشتيت الذهني، أو شاب يافع لتو يتعرف على أدبيات الحوار، أو شخص طيب وساذج جدًا.
الأجدر بالشخص الذرب والسنع والمحترم والمجتمعات الحقوقية أن يستبدلوا جملة «أنا لا أفهم ما تقول أو ما أفهم ما قلت» بجملة «عفوًا، صحح لي: ما فهمته من عبارتك، وسأوجز لك ما فهمته، ولك الحق في تصويبي إن لا أقف على مقاصدك، هو التالي: …». ويقول الشخص ما فهمه من تعليق أو سؤال أو استفسار القائل لكسب قلبه وثقته وبث الإحساس بالأمان بالتحدث معه. هكذا سلوك وأسلوب راقٍ سيعزز الأمان النفسي والاجتماعي بين أفراد المجتمع عند التحدث مع بعضهم بعضًا وجهًا لوجه أو عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي.
مديرو المبيعات في معظم أركان الأرض يُدربون على تحمل كل أنواع السلوكيات للزبائن والتغافل عن زلل الكلمات واستيضاح دلالة الجُمل لإنجاح إبرام العقود وإنجاز أسقف المبيعات وتحقيق أرباح وضمان الوظيفة. ولكن بعض من الناس، حتى لو كان في إدارة المبيعات، سواء في مطعم أو مخبز أو مصنع أو مكتب عقار أو متجر، فإنه يفتقد أبسط السمات في إنجاح الصفقات، ويفتقد صفتَي الحلم والصبر؛ فيكون بذلك مدير هدم علاقات بامتياز. فيهرب الزبائن من المحل لوجوده وطول لسانه وقبيح تعابيره وقلة الذوق في تواصله. ونحن على أعتاب شهر رمضان المبارك أوصي نفسي ومن يحب أن يستوصي بنفسه خيرًا أن يبتعد عن كل ما يستفز أو يشعل فتيل التصادم مع الآخرين؛ فإن ترميم العلاقات المهدومة يحتاج عشرة أضعاف الجهود المبذولة في إقامة علاقة واحدة ناجحة. نقر بأن هناك اختلافًا في اللهجات واللكنات وبعض المعاني لبعض الكلمات، وعليه يجب الاستيضاح والتوضيح لكل ذلك بلباقة واحترام، وليس التهكم والمناكفة والتطنز. نحن جميعًا كأفراد ومجتمعات وأبناء وطن واحد وقومية واحدة ودين واحد بحاجة ملحة للمزيد من المودة والتواصل الفعال وإلغاء المناطق العمياء عند الحديث مع بعضنا بعضًا، وليس العكس.

















