من عبق الماضي: الأزقة في القطيف ”مذاق الأطعمة الشعبية“
القطيف القديمة تتنفس الأزقة بروح الماضي، حيث كانت الحياة اليومية تمتزج فيها الروائح والضحكات والأصوات لتصنع سيمفونية بسيطة من الفرح والعيش المشترك. لم تكن الأزقة مجرد طرقات ضيقة، لكنها مسارح صغيرة تتجلى فيها تفاصيل الحياة الإنسانية، من البائع الذي يلوح بيده، إلى الأطفال الذين يركضون خلف المثلجات، ومن النساء اللواتي يحملن أواني الطعام، إلى الأصوات المألوفة من الأواني «الصفرية، صحون الغضار، والكؤوس الألمنيوم». في كل زاوية، وكل منحنى في الأزقة، كان يحوي قصة وذكرى.
كانت الأسواق الشعبية جزءًا أصيلًا من الأحياء القديمة، ومركزًا للحركة اليومية، حيث تلتقي التجارة بالذكريات والعلاقات الإنسانية. نعم، هناك بين الممرات الضيقة، والمداخل المظلمة، والساباط العتيقة، حينما يظهر البائعون وبائعات الطعام الشعبي حاملين صفاريهم وأوانيهم التقليدية؛ ليقدموا أكلات تعكس بساطة الحياة ودفء الإنسان وطريقة عيشه البريئة.
غالبًا ما كانت النساء الكبيرات في السن يقدن هذا البيع، وهن مكتسيات بالرداء البحراني والعباءة، نراهن جالسات عند زوايا البيوت القديمة أو على طول الطرقات، حيث يمكن للمرء أن يشعر بأريحية ودفء من عبق الماضي. وكانت بائعات «اللوبة والباقلة والعدس والفاصوليا والنخج» يشكلن صورة حية للحنين والألفة، ويتعرف عليهن كل جار، ويعرفهن الأطفال، ويقفن بكل صبر وحكمة لتقديم الطعام للزبائن.
والأطعمة كانت تُطهى في صفاري متوسطة الحجم، ويخرج الطعام منها باستخدام ملعقة كبيرة ليفرز بعد ذلك في صحون أو أوانٍ صغيرة مثل الملية أو غضار مشجر ومزخرف نباتي. وفي هذه الطريقة تكمن المهارة والحرفية، وتضيف لمسة جمالية للوجبة البسيطة. ومع مرور الزمن، ظهر بعض الباعة المتجولين يحملون في «القاري» أوانٍ صغيرة، وينادون بأصواتهم في الطرقات، مع الحفاظ على روح الأزقة ومذاق الأيام الجميلة.
ولم يكن الصيف في القطيف مجرد حر وأيام طويلة، بل كان موسمًا لفرح الصغار والمذاق البارد مع «الصبعبلي» المثلج الشعبي الذي يحضر من عصير الفواكه أو اللبن. وكان يباع بالقرب من المدارس والكتاتيب، وفي الأزقة المزدحمة، حيث يصطف الأطفال حاملين المثلجات المغمس فيها أعمدة الخشب الصغيرة المختلفة، وتراهم يركضون خلف البائعين، فكان جزءًا من متعة اليوم. لقد أصبح «الصبعبلي» أكثر من مجرد شراب؛ كان رمزًا وذكريات الطفولة، وصورة حية من أيام الطيبين، حيث كل رشفة منه تحمل عبقًا وحنينًا لا تُنسى.
لم تقتصر الأطعمة على البقوليات والمثلجات، لكنها انتشرت المقليات الشعبية مثل «السمبوسة والجباتي واللقم ومشتقاتها»، والتي كانت تحضر يوميًا وتقدم ساخنة، خصوصًا في المساء أو في مواسم الأعياد والمناسبات. ولها رائحتها التي تنبعث في الأزقة الضيقة، فتشد المارة، وتحول لحظة شراء بسيطة إلى تجربة اجتماعية ممتعة مليئة بالحوار والضحك والذكريات الحالمة.
فهذا الانتشار بالبيع لم يكن عشوائيًا؛ فقد تراوح بين الأزقة الضيقة والطرق المزدحمة والأسواق الشعبية وأماكن التعليم، وهذا التوزيع يكشف عن فهم شعبي دقيق للحياة اليومية، وعن قدرة المجتمع على دمج التجارة مع التعليم والسكن، ليصبح الشارع والأسواق فضاءات اجتماعية متكاملة تنبض بالروح الإنسانية وحنين الأيام الماضية.
إن استعادة مشهد البيع في أزقة القطيف قديمًا ليست مجرد استرجاع لمأكولات شعبية، بل قراءة للتاريخ الاجتماعي وحياة الأولين الطيبين؛ فقد كانت تلك الأطعمة أكثر من أطعمة، نعم، كانت لغة يومية للتكافل ووسيلة لحفظ الذكريات. وفي كل إناء أو وعاء يقدم، وفي كل نداء بائع، وكل بائعة كبيرة جالسة عند زاوية بيت قديم، تتجلى القطيف بتلك النكهات والحنين الذي يتغلغل في كل بيت، وكل لقمة، وكل رشفة ذكرى لها منظر ورائحة لا تُنسى.
















