آخر تحديث: 1 / 2 / 2026م - 12:59 م

الاستغفار في شهر شعبان: مدرسة التوبة اليومية وطريق القلب إلى شهر رمضان

شهر شعبان ليس مجرّد محطة زمنية تسبق شهر رمضان، بل هو مرحلة إعدادٍ روحيٍّ عميق، يُراد للإنسان فيها أن يُهيِّئ قلبه قبل أن يُهيِّئ جدوله، وأن يُطهِّر باطنه قبل أن يضاعف أعماله. ولذلك جاءت أعمال هذا الشهر موجَّهة في جوهرها إلى الداخل: إلى تصفية النفس، ومراجعة المسار، وتجديد العلاقة بالله. وفي مقدّمة هذه الأعمال يبرز الاستغفار اليومي المتكرر بوصفه الذكر الأهمّ والأفضل، حتى عُدَّ في الروايات أفضل أذكار شعبان.

ومن الأعمال المأثورة أن يقول المؤمن - كما ورد في مفاتيح الجنان للقمي - في كل يوم سبعين مرة:

«أستغفر الله وأسأله التوبة»، وأن يقول كذلك سبعين مرة: «أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الحي القيوم وأتوب إليه»،

وقد ورد في بعض الروايات تقديم «الحي القيوم» على «الرحمن الرحيم»، وكلتاهما صحيحة، والمقصود هو دوام الذكر لا ترتيب الألفاظ.

وقد بيّنت النصوص أن من استغفر في كل يوم من هذا الشهر سبعين مرة كُتب له كمن استغفر سبعين ألف مرة في سائر الشهور، في إشارة واضحة إلى خصوصية الزمان وشرفه، وأن العمل فيه يتضاعف أثره كما تتضاعف البركة في المواسم الإلهية.

لماذا الاستغفار تحديدًا؟

قد يتساءل الإنسان: لماذا يركّز شعبان على الاستغفار أكثر من غيره من الأذكار؟

الجواب أن الاستغفار ليس مجرد اعتراف بالذنب، بل هو عملية تطهير شاملة للقلب. فالإنسان لا يدخل شهر رمضان - شهر الضيافة الإلهية - وقلبه مثقل بالأدران. كما لا يستقبل نور القرآن وهو محجوب بالغفلة. ومن هنا كان الاستغفار كالغُسل الروحي اليومي الذي يزيل ما تراكم من أثر المعاصي، والغفلات، والتقصير.

فالذنب ليس فعلًا ينتهي بوقوعه فقط، بل يترك أثرًا في القلب: قسوة، وفتورًا، وبُعدًا عن الذكر.

والاستغفار يمحو هذه الآثار قبل أن تتحوّل إلى عادة.

ولهذا كان الاستغفار في شعبان تهيئةً للدخول في رمضان بقلبٍ حيٍّ صافٍ، لا بقلبٍ متعب مثقل.

سرّ التكرار اليومي:

اختيار عدد «سبعين مرة» يوميًا ليس مجرد عدد رمزي، بل يحمل دلالة تربوية. فالتكرار هنا يُراد به: تثبيت حالة الوعي بالذنب، وإبقاء القلب في حالة يقظة، وكسر الغفلة المتجددة كل يوم.

فالإنسان يخطئ كل يوم، ويغفل كل يوم، وينشغل كل يوم، ومن الطبيعي أن يحتاج إلى توبة يومية متكررة، لا توبة موسمية فقط.

ومن هنا نفهم أن الاستغفار في شعبان ليس عملاً طارئًا، بل عادة قلبية يُراد لها أن تصاحب المؤمن طوال الشهر.

معاني الصيغتين:

1. «أستغفر الله وأسأله التوبة»

هذه الصيغة تجمع بين أمرين: طلب المغفرة للماض، وطلب التوفيق لعدم العودة مستقبلًا.

فالتوبة ليست مجرد محو الذنب، بل تغيير المسار. وكأن العبد يقول: يا رب، اغفر ما مضى، وأعنّي على ما يأتي.

2. «أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الحي القيوم وأتوب إليه»

هنا يتعمّق المعنى أكثر، لأن الاستغفار جاء مقرونًا بأسماء الله الحسنى:

الرحمن الرحيم: إشارة إلى أن باب المغفرة مفتوح بالرحمة لا بالعقوبة.

الحي القيوم: إشارة إلى أن الله هو مصدر الحياة والثبات، وأن التوبة لا تستقيم إلا بمعونته

فالعبد لا يتوب بقوته، بل بتوفيق الله. ولا يثبت على التوبة إلا إذا أقامه القيّوم.

الاستغفار: من لفظ إلى حال

المقصود من الاستغفار ليس حركة اللسان فقط، بل حركة القلب. فقد يقول الإنسان ألف مرة دون أن يتغيّر شيء، وقد يقولها مرةً واحدة بصدق فتقلب حياته.

الاستغفار الحقيقي يعني الشعور بالتقصير، والحياء من الله، والرغبة الصادقة في الإصلاح؛ وعندها يتحوّل الذكر إلى نور، لا إلى عادة صوتية.

شعبان: شهر التنظيف قبل الضيافة

لو شبّهنا رمضان بضيفٍ كريم، فإن شعبان هو وقت ترتيب البيت لاستقباله؛ والاستغفار هو عملية التنظيف الكبرى: تنظيف القلب من الغفلة، وتنظيف النفس من العادات السيئة، وتنظيف العلاقة بالله من الفتور.

فمن دخل رمضان وقلبه مشغول بالذنوب، انشغل بالعلاج عن الاستفادة، ومن دخله بقلبٍ صافٍ، تفرّغ للترقّي والأنوار.

البعد التربوي للاستغفار في شعبان:

الاستغفار اليومي يزرع في الإنسان ثلاث خصال عظيمة:

1. التواضع، لأنه يذكّره دائمًا بأنه محتاج، وأنه ليس كاملًا.

2. الأمل، لأنه يفتح باب الرحمة مهما تكرّر الخطأ.

3. المراقبة، لأنه يجعل الإنسان واعيًا بأفعاله طوال يومه.

وهذه الثلاثة هي أساس السلوك الإيماني المتوازن.

الخلاصة:

الاستغفار في شعبان ليس مجرّد ذكرٍ بعددٍ محدد، بل منهج حياة لشهر كامل، ومدرسة يومية لإعادة القلب إلى الله.

إنه دعوة لأن يبدأ الإنسان رحلته إلى رمضان بخطوة صدق، فيعترف، ويعود، ويتطهّر.

فمن أكثر الاستغفار في شعبان، لان قلبه، وصفا باطنه، واستعدّ لاستقبال أنوار رمضان، وكأن هذا الشهر يقول لنا، قبل أن تطلبوا المزيد من العطاء، تخلّصوا مما يثقلكم، وقبل أن ترتقوا في الطاعة، اغسلوا قلوبكم بالاستغفار،

فإن الطريق إلى الله يبدأ دائمًا بكلمة صادقة: أستغفر الله وأتوب إليه.

استشاري طب أطفال وحساسية