آخر تحديث: 3 / 2 / 2026م - 1:14 م

الثقافة المالية للأبناء

الدكتور ماهر آل سيف *

في زمنٍ تتسارع فيه المغريات وتُختصر فيه القيم بـ ”اشترِ الآن“، صار تعليمُ الأبناء الثقافةَ المالية منذ الصغر ضرورةً تربوية لا رفاهيةً منزلية.

فكثيرٌ من أزمات اليوم لم تبدأ من قِلّة الدخل، بل من قِلّة الوعي: دخلٌ يأتي… ثم يذهب بلا خطة، وقرارٌ يُؤجَّل… ثم يتحوّل إلى دينٍ يطول.

والوالدان حين يُحِبّان، لا يعني ذلك أن يشتريا كل شيء؛ فالمحبةُ التي تُطفئ ”لا“ في البيت قد تُشعل ”لن أكتفي“ في قلب الابن مستقبلًا.

والدلالُ ليس حماية؛ بل قد يكون تدريبًا مبكرًا على الاعتماد على الغير، بينما الحياةُ لا تُصافح إلا مَن يحمل مسؤوليته بيديه.

القرآن يضع القاعدة بوضوح: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ، لأن التبذير ليس خطأً ماليًا فقط… بل خللٌ في ميزان النفس.

ويشدّد على الاعتدال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ؛ فالتربية المالية ليست قسوةً ولا بذخًا، بل عدلٌ بين طرفين.

ويُنبه إلى إدارة المال بعقل: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ؛ أي لا تُسَلِّم القرار المالي لمن لم يتعلّم قيمة القرار.

ومن الوفاء بالمسؤولية أن نُحسن التخطيط: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ ؛ فالقوةُ هنا ليست عضلات… بل وعيٌ يحميهم.

لهذا: كن صديقَ أبنائك وبناتك، لا مُموِّلَ رغباتهم فقط؛ افتح معهم حديث المصروف والادخار والفرق بين ”احتياج“ و”نزوة“.

علّمهم أن المال ”أداة“ لا ”هوية“، وأن السعادة لا تُقاس بعدد الأكياس، بل بسلام القرار.

اجعل لهم ميزانيةً بسيطة، وهدفًا شهريًا صغيرًا، ومكافأةً على الالتزام لا على البكاء.

اشرح لهم كيف يعمل الراتب، وكيف تُبنى الأسعار، ولماذا يُقال: ”من لا يعرف أين يذهب الريال… سيجد نفسه يبحث عنه آخر الشهر!“

عرّفهم ببرامج ثقافية ودورات تدريبية تناسب أعمارهم، فالخبرةُ تُستعار، لكن العادة تُربّى.

راقب دون خنق، ووجّه دون إهانة، واسمح بالخطأ الصغير اليوم… لتمنع الكارثة الكبيرة غدًا.

فالتربية المالية ليست درسًا في الأرقام فقط؛ إنها صناعةُ إنسانٍ يعرف قيمة النعمة، ويُحسن إدارتها… ويكبر وفي يده مستقبلٌ لا فاتورة.