عين الوارش وخطر الإعلام
من أنا؟ سؤال بسيط ظاهريًا، لكن باطنه أعمق بكثير مما نظن. كان الإنسان يومًا ما ابن بيئته ومجتمعه؛ يلعب كورة في الفريق ويا الصبيان، يتسبح في عين الوارش واللبانية، يمشي ويكربس. هذه النشأة، وهذا الجو، أسهما في بناء شخصيته وتغذية عقله بمعظم المعلومات في حينها. أمّا اليوم فلم يبق لا لعين الوارش ولا حتى الوارش من أثر. إنه الآن ابن الإعلام. أداة لا تأمر، بل تقنع. لا تَجبر، بل تُعيد التعريف. حين ندرك أن التفكير ليس إلا معالجةً لمعلومات لكشف المجهولات، نفهم أن بناء الإنسان يبدأ ببساطة مما يتغذى به عقله. وعندما نعي حجم الماكينة الإعلامية، ودقة خطابها، وبراعتها في التسلل، يصبح السؤال ملحًّا:
في عالم تُصاغ فيه الأفكار بشكل تسويقي لامع، هل ما نعتقده اليوم من أفكار ومبادئ هو نتاج وعينا، أم نتيجة نظام يعيد تشكيلنا لنكون أكثر طاعة وأقل بحثًا؟ إن سؤال: من أنا؟ ليس ترفًا فلسفيًا، بل ضرورة أخلاقية. به وحده يعيد الإنسان قراءة نفسه، ليدرك: هل أفكاره ثمرة تفكير وتمحيص أم نتائج جاهزة متغلغلة في ذهنه؟!
الحديث عن المؤامرات، وعن أن الجيوش كانت تحتل الأرض وأصبحت اليوم تحتل العقول، خطاب إنشائي ممل، ومكرر، ولا يصنع وعيًا. الأهم - في رأيي - أن يمتلك الإنسان قدرة دائمة على الشك في مجمل ما يُقدَّم له إعلاميًا. أن تكون القاعدة بسيطة وقاسية في آن واحد: كل ما تراه كذب، حتى يثبت صدقه بدليل قاطع لا يحتمل تعدد التأويل. عالِم يتحدث؟ هو مخطئ أو كاذب حتى يبرهن. محلل سياسي؟ كاذب حتى يثبت العكس. متحدث في التاريخ؟ كاذب حتى يقدم دليلًا لا رأيًا. لماذا؟ لأنك - أيها الإنسان المعاصر - لست متلقيًا بريئًا، بل مشروع تشكيل دائم، يُراد له أن يصب في قوالب محددة تخدم مصالح لا تراها. لن يأتيك أحد اليوم بمدفع ليأمرك كيف تفكر. سيأتيك بإعلامي يجيد الكذب، ليزرع فيك مقدمات تفكير فاسدة، ثم يتركك تصل إلى النتيجة بنفسك وتظنها وعيك. لقد ولى زمن البنادق في تشكيل الإنسان. اليوم، هو زمن الإعلام.
لقد أصبح العالم أكثر خطرًا، لا لأن العنف ازداد، بل لأن مصادره لم تعد تُرى. لم تعد شخصية الإنسان اليوم تُبنى في عين الوارش، ولا في تفاصيل المكان والذاكرة كما كانت من قبل. لقد اقتُلع الماضي من العالم بأسره، وأصبح المستعمر الحديث أكثر مهارة؛ لا يحتاج إلى رصاص ليغزوك، بل إلى خطاب يسلخك عن هويتك وأخلاقك بهدوء. لذلك، لم يعد درع الإنسان الحقيقي سلاحًا ولا موقفًا صاخبًا، بل أذنه وقلبه. أن يُغلقهما في وجه كل طارق باسم العلم، حتى يثبت بالدليل والبرهان أن المتحدث عدلٌ ثبتٌ ثقة، لا صانع وعيٍ مزيف.
















