آخر تحديث: 30 / 1 / 2026م - 12:41 م

مِن… حيث تبدأ الحياة بالكلمة

عماد آل عبيدان

دار قبل مدة من الزمن بإحدى ليالي الجُمع حديث طويل في مجلس ببيت قريب لي إذ جمعني بالشيخ علي مال الله دام توفيقه وكان من أجمل المجالس وأدفئها فكرًا ومعرفة. جاء في أثناء الحوار حديث عن معنى حرف «مِن» ومدلولاته ومعانيه، وعن هذا الحرف البسيط في نطقه والعميق في جوهره بما فيه وما عليه وبما يحمله من أحوال ووهج وغنى حتى قال عنه النحويون انه أمُّ الحروف.

حرف «مِن» من أعجب ما نطقت به العربية. صغير في الصورة وعظيم في الأثر حتى قال عنه القدماء: ”هو أمّ الحروف“ إذ يتسرب إلى أكثر التراكيب فيحوّل الكلام من وصف عادي إلى معنى حي.

هو أصل في النطق ونافذة تطل منها اللغة على جوهرها الإنساني ذلك المكان الذي تبدأ فيه الفكرة وتنمو منه كل الأشياء.

يقال إنّ الحروف كالبشر منها ما يمر مرور الغريب ومنها ما يقيم في القلب ليعيد ترتيب الوعي. و”من“ من السلالة الثانية إذ يقف على أبواب المعنى مثل دليل يعرف الطريق هادىء لا يتكلف فهو فقط يشير إلى البداية فيتسع الطريق أمامك.

هذا الحرف يشبه بذرة في أرض خصبة تختبئ بهدوء ثم تخرج منها شجرة المعنى. في اللغة يربطك بالأصل فتقول:

• خرجتُ من البيت
• صمتُ من الفجر
• تعلّمتُ من التجربة
• ضحكتُ من القلب.

وفي كل موضع يتحرك كأنه نبض فكل خطوة تبدأ من سبب وكل أثر له منطلق.

في القرآن الكريم يجيء متجلّيًا في أبهى مواضعه:

﴿وجعلنا من الماء كلَّ شيءٍ حيٍّ - فالحياة كلها تنبع من مصدر واحد.

﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى - عبور مقدس من نور إلى نور.

﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله - كشف دقيق لما يختبئ في القلوب.

كل آية تفتح به بابًا جديدًا. فيصير مفتاحًا للخلق وللرحلة وللتمييز بين الصدق والادعاء.

وفي الأدب يتحول إلى نغمة رقيقة تسري في الكلام وتربط الشعور بأصله.

قال شاعر: ولد الشعر من الحنين فصار الحنين رحم القصيدة.

وقال آخر: شربت من نهر عينيها فغدت العين عالمًا من عاطفة وماء.

إنه الحرف الذي يحمل الأشياء إلى جذورها ثم يعيدها أكثر حياة.

وفي الحياة اليومية يعيش بيننا.

في دعاء الصباح ”اللهم من فضلك“.

وفي حكايات الجدات بقولهن: كان عندنا رجل من أهل الخير.

وفي المواقف الطريفة يقول أحدهم: تعرف من نسي المفاتيح في الثلاجة؟

كلها تبدأ بالحرف نفسه كما لو أنّ اللغة بأكملها تتنفس من خلاله.

هو جسر بين الكلمة والوعي وبين الإنسان ومصدر وجوده. في حضرته ينكسر الغرور إذ يتذكر المرء أن ما فيه من موهبة أو معرفة أو دفء إنساني إنما جاء من آخرين فنقول:

• من يد ساعدت
• من دعوة خالصة
• من تجربة أنهكته ثم صقلته.

الفكر العربي القديم أدرك مكانته إذ جعلوه أصلًا في النحو والفكر معًا لأنّه يربط بين السبب والنتيجة وبين المادة والروح. منه تولدت المفاهيم الكبرى:

• من الخير
• من الشر
• من الجمال
• من الإنسان.

كلها تنبع من هذا الينبوع الأول الذي لا ينضب.

اللغة التي ولد منها هذا الحرف مدينة نابضة بالمعنى فأسواقها مفتوحة وأبوابها لا توصد. فيها تتداول الحكايات وتصاغ التجارب ويجد الإنسان مكانه بين حروفها.

هو أكثر من علامة لغوية إذ أنه طريقة تفكير فلا شيء يأتي من فراغ وأنّ كل خطوة لها أصل يسكنها وهذا ما تقوله «من».

منه تبدأ الحكاية، ومنه تنطلق الحياة نحو اتساعها.

كل ضوء خرج من مصدر، وكل إنسان من حكاية، وكل كلمة من قلب قالها أول مرة وهو يكتشف نفسه.

احفظ بدايتك فكل ما يضيء في الطريق… يبدأ بـ مِن.