آخر تحديث: 30 / 1 / 2026م - 11:36 ص

الإرشاد المهني الشامل.. استثمارا وطنيا ذكيا

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

في كل اقتصاد طموح، لا تُقاس كفاءة رأس المال البشري بعدد الخريجين فقط، بل بمدى توافقهم مع المسار الذي اختاروه، وقدرتهم على الاستمرار فيه دون إنهاك أو اغتراب مهني. من هنا، يبرز تدشين مبادرة الإرشاد المهني الشامل كتحول نوعي تقوده وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، ضمن مستهدفات برنامج تنمية القدرات البشرية أحد برامج رؤية المملكة 2030، وبإدارة صندوق تنمية الموارد البشرية.

المشكلة ليست في نقص الفرص، بل في عملية الاختيار المبكر. طالب لا يعرف ماذا يدرس، أو جامعي يكتشف متأخرًا أن تخصصه لا يشبهه، أو موظف يواصل مهنة لا تمنحه معنى أو نموًا. هذه الدائرة تُنتج هدرًا اقتصاديًا صامتًا: أعوام دراسة بلا أثر، تدريب لا يُستثمر، وإنتاجية منخفضة تُترجم لاحقًا إلى استقالات مبكرة، أو تقاعد نفسي قبل أوانه.

من هذا المنطلق، تأتي مبادرة الإرشاد المهني الشامل - التي دشّنها الوزير أحمد بن سليمان الراجحي بحضور قيادات البرنامج - بوصفها تجربة رائدة عالميًا؛ لأنها لا تقدم خدمة مجزأة، بل منظومة متكاملة ترسم «خارطة المسار المهني» للفرد منذ المراحل الدراسية وحتى سوق العمل، مستندة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومقاييس الميول والمهارات وبيئات العمل، وجلسات إرشاد مع مختصين. هذا الدمج بين التعليم والعمل، وبين الرغبة والطلب، هو ما يصنع الفارق الحقيقي.

اقتصاديًا، يُسهم الإرشاد المهني في رفع كفاءة الإنفاق على التعليم والتدريب، وتقليص فجوة المهارات، وتسريع مواءمة الخريجين مع احتياجات السوق. اجتماعيًا، يعزز الرضا الوظيفي، ويحد من القلق المهني، ويمنح الأسر لغة مشتركة لتوجيه الأبناء بوعي. وقد أشار مدير عام الصندوق تركي بن عبدالله الجعويني إلى أن الدور لم يعد مقتصرًا على إعادة التأهيل، بل العمل الاستباقي مع المدارس والجامعات لإعداد جيل المستقبل. أما على مستوى الحوكمة، فوجود منظومة وطنية موحدة يرفع جودة القرار الفردي ويمنح صانع السياسات بيانات أدق للتخطيط.

قيمة المبادرة تتجلى أيضًا في شمولية الفئات المستهدفة: طلبة المتوسطة والثانوية، طلبة المعاهد والكليات والجامعات، حديثو التخرج، الموظفون، المرشدون المهنيون، وحتى أولياء الأمور. هذا الاتساع يُحوّل الإرشاد من «خدمة اختيار» إلى «ثقافة مسار»، وهو ما تحتاجه سوق عمل سريعة التغير.

ومع الإشادة، تبرز مساحة تطوير ضرورية، الاهتمام بالموظفين قبل التقاعد. في ظل ارتفاع متوسط العمر، لدينا شريحة واسعة لم تُتح لها أدوات الاختيار سابقًا، ولا فرص إعادة التوجيه أثناء المسار. هؤلاء يحملون خبرة متراكمة، لكنهم قد يعانون من إنهاك أو عدم مواءمة. إدراج مسارات إرشاد خاصة بهذه الفئة - إعادة تصميم الأدوار، التحول الجزئي، نقل الخبرة، أو التهيئة لما بعد التقاعد - ليس رفاهًا، بل استثمار في الاستدامة البشرية وتقليل كلفة الدوران الوظيفي.

كما أقترح:

ربط مخرجات الإرشاد بحوافز تعليمية وتدريبية واضحة، لضمان الانتقال من التوصية إلى الفعل. إدماج الإرشاد في مراحل مبكرة كجزء من المنهج، لا نشاطًا هامشيًا. بناء شراكات مع القطاع الخاص لتحديث بيانات الطلب المهني بصورة آنية. قياس الأثر بمؤشرات طويلة المدى: الاستمرار الوظيفي، الرضا، والإنتاجية - وليس فقط التوظيف -.

الإرشاد المهني الشامل ليس منصة تقنية فحسب؛ إنه بوصلة وطنية تُعيد الاعتبار للاختيار الواعي، وتحوّل الطموح الفردي إلى قيمة اقتصادية واجتماعية.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي