قراءة تأويلية أسلوبيّة لقصيدة «حبيبانِ نحنُ وأكثر» - توفيق أحمد
يندرج نصّ «حبيبان نحن وأكثر» ضمن الشعر الغنائي الحديث الذي يُراكم الدلالة عبر الانزياح، ويؤسس لعلاقة عشق تتجاوز الثنائي المألوف إلى أفق كونيّ تتداخل فيه الذات بالوجود، والحب بالمعرفة، والضياع باليقين. فالنص لا يكتفي بتصوير علاقة عاطفية، بل يبني ميتافيزيقا حب تُعاد فيها صياغة مفاهيم الحضور، والغياب، والحدود، والمطلق.
يشكّل التكرار لازمةً دلالية مركزية في القصيدة، إذ تتردّد عبارة «حبيبان نحن وأكثر» في مفاصل النص، لتؤدي وظيفة إيقاعية من جهة، ووظيفة تأويلية من جهة أخرى. ف«الأكثر» هنا لا يُحدَّد كمّياً، بل يُفتح على معنى فائض يتجاوز حدود التعريف:
«حبيبانِ نحنُ … وأكثرْ
وما زاد عن وردنا من عبيرٍ
نصيبُ الفراشاتِ منه كبيرٌ… وأكبرْ»
العبير الزائد عن الوردة يتحوّل إلى قيمة جمالية مشتركة، أي إن الحب لا يُستهلك داخل العلاقة بل يُفيض إلى العالم، فيغدو تجربة إشعاع لا امتلاك.
يحضر ثيمتا النور والضباب بوصفهما قطبين دلاليين يؤسسان لجدلية الظهور والاحتجاب، وهي جدلية مركزية في النص:
«ولا نستحي أن نواري
مصابيحَنا البيّناتِ وراء الضباب
فهل يختفي قمرٌ
يقطفُ الضوء من بحر عينيكِ
إلا ليظهرْ»
الاحتجاب هنا ليس نفيًا للحقيقة، بل شرطًا لتمام تجلّيها. فالقمر لا يختفي إلا ليظهر أكثر اكتمالاً، وهو ما يحيل تأويليًا إلى أن الحب الحقيقي لا يُبتذل في المباشرة، بل يتعمّق في الغموض المنتج للدهشة.
تتأسس الصور الشعرية في النص على انزياحات مركبة، تمزج بين الحسيّ والمجرّد، وتعيد ترتيب العلاقات بين الأشياء. ومن ذلك قوله:
«كنتُ شهقةَ غيمٍ على شفَة الليلِ
حين احتككتِ برمل خياليَ أزهَرْ»
فالذات تتحوّل إلى «شهقة غيم»، وهي صورة تجمع العابر بالعلوي، فيما يتحوّل «رمل الخيال» - وهو موضع القحط عادة - إلى مجال للإزهار، في دلالة على قدرة اللقاء العاطفي على إخصاب الوجود الداخلي.
من أبرز المفارقات الدلالية في القصيدة قلبُ المعايير المنطقية بين الضلال واليقين:
«ضلالُكَ هذا الرحيمُ
إلى اللا وصول يقودُ سفيني
وصولي إليكَ ضياعي فيكَ
ضلالُكَ فيَّ يقيني»
هنا يبلغ النص ذروة تأويله الفلسفي، إذ يتحوّل الضلال من قيمة سلبية إلى شرط للمعرفة، ويتحوّل الوصول إلى نوع من الفقد الخلّاق. وهو تصور ينسجم مع الرؤية الصوفية الحديثة التي ترى في الحب طريقًا معرفيًا لا غايةً نهائية.
لا يغيب الجسد عن النص، غير أنّ حضوره لا يأتي فاضحًا أو مباشِرًا، بل مُشفّرًا عبر الاستعارة:
«جسمُكِ الآن يختلجُ الآن بين يديَّ
على موج خوخٍ وعنبرْ»
فالخوخ والعنبر يحيلان إلى اللذة والعطر والنعومة، فيتحقق تماسّ جسديّ مموَّه بلغة حسّية راقية، تُجنّب النص الابتذال وتمنحه بعدًا جماليًا.
تنتهي القصيدة دون انغلاق دلالي، إذ يعود سؤال الظهور والاختفاء:
«وهل يختفي قمرٌ
قطفَ البحرَ من بحر عينيكِ
إلا ليظهر؟!»
وهو سؤال استنكاري يعيد القارئ إلى بداية الدائرة التأويلية، مؤكّدًا أن الحب، مثل القمر، حركة دائمة بين الخفاء والتجلّي.
يتسم أسلوب توفيق أحمد ب:
• كثافة الصورة الشعرية وتراكم الاستعارات.
• الانزياح اللغوي عن الدلالة المباشرة.
• التكرار البنائي بوصفه أداة إيقاع ومعنى.
• التداخل بين الغنائي والفلسفي.
توفيق أحمد شاعر عربي معاصر، يكتب قصيدة التفعيلة والنص الغنائي الحديث، وتتميز تجربته بالانحياز إلى اللغة المشحونة بالرمز، وبالاشتغال على ثيمات الحب، والذات، والوجود، مع نزعة تأملية واضحة تمزج بين الحسّ العاطفي والرؤية الفكرية.
تُقدّم قصيدة «حبيبان نحن وأكثر» نموذجًا لقصيدة الحب الحديثة التي تتجاوز الوصف العاطفي إلى بناء رؤية كونية، حيث يصبح الحب فعل معرفة، والضياع شكلًا من أشكال اليقين، واللغة أفقًا مفتوحًا للتأويل. وبذلك ينجح النص في ترسيخ جماليات الشعر العربي المعاصر، القائم على الانفتاح الدلالي وتعدد القراءات.
















