آخر تحديث: 30 / 1 / 2026م - 12:41 م

بين التشتّت والفوضى

قيمة الإنسان الحقيقية تتحدّد بمدى استفادته من الأوقات واغتنامه الفرص وتحقيق منجزات على مختلف الأصعدة، فالوقت كأنما وعاء يضع فيه الفرد ما يقتنيه من طاقات وقدرات يوظّفها في ميادين الحياة، والفوضى وتضييع الأوقات لا يستند إلى عامل محدد بل تتداخل فيه مجموعة من العوامل، فتارة يكون السبب هو ضمور المهارات وقلة خوض التجارب، وتارة يكون بسبب الاختلال الإداري وضعف الإرادة في تنفيذ ما يصبو إليه، كما أن سلّم الأولويات وترتيبها وتقديم الأهم وتسلسل المراحل أمر مهم، وقد لا يحسن البعض التعامل معه فيعيش فوضى في الأداء، بينما يمثّل الانضباط حالة من التوازن الداخلي، إذ يصبح الزمن أداة بناء وتطوير لا عامل استنزاف للطاقات وهدرها، ويتحوّل من مصدر ضغط وقلق بسبب الفوضى التي يحياها إلى مسار واعٍ للسير نحو التقدّم والكمال الإنساني.

ومن صور التشتّت والفوضى هو الجانب النفسي وانعكاسه على هدر الأوقات وتبلد الإحساس تجاه حركة عقارب الساعة وتقادم الأيام وتوقف عجلة الزمن عنده، فالإنسان حين يفقد بوصلته الداخلية ينعكس ذلك مباشرة على تعامله مع الوقت؛ لأن الزمن هو المرآة الأكثر حساسية لما يجري في الداخل في تقدمه لخطوات أو تقهقره، فالضغوط النفسية الناجمة عن مشكلات أسرية أو وظيفية أو غيرها تتحوّل إلى تراكمات سلبية تشلّ قدراته، وتدفعه نحو بؤرة اجترار الآلام وتصفّح صورها دون التقدّم نحو منصة المعالجة والحلول.

وقد يكون التشتّت والفوضى على المستوى الفكري، حيث يصاب الفرد بحالة من توقف الذهن عن التفكير وعدم القدرة على التركيز وترتيب سلّم أفكاره، فتتزاحم في ذهنه الاهتمامات دون تراتبية ويتحرّك كثيرا دون إنجاز حقيقي، وهذا التشتّت ليس سببه كثرة الأعمال بل غياب المعيار الذي يحدّد ما هو الأهم ليقدمه ويبدأ به في تراتبية واضحة، فحين لا يُدار الوقت بوعي تتراكم الأعمال المؤجّلة وتتحوّل إلى ضغط نفسي دائم، فيعيش الإنسان بين القلق والندم ويشعر بأن الزمن يلاحقه بدل أن يخدمه، والنتيجة هي تأرجح مشاعره بين التوتر والفتور وفي النهاية يكون بين حدي الإفراط والتفريط.

والإرادة القوية تحتاج إلى بنية زمنية منضبطة وقائمة على أسس محكمة، فالفوضى الزمنية تستهلك طاقة الفرد وتجعله عاجزا عن الالتزام طويل الأمد، فيكثر البدء بالمشاريع والخطوات ولكنه سرعان ما يصاب بالفتور والملل ويقلّ الإنجاز والإتمام.

ومن نتائج الفوضى والتشتّت هي فقدان الغاية، فالإنسان الذي لا يعرف لماذا يعيش لا يعرف كيف يُنظّم وقته، وحين يغيب الهدف الأعلى يتحوّل الوقت إلى سلسلة من الاستجابات العشوائية للظروف والضغوط وتكثر منه ردات الفعل وليدة اللحظة.

وقد يستشعر البعض الوحشة والنفور من الانضباط إذ يولّد فيه الملل والانضغاط الشديد، ولكن الانضباط والالتزام في حقيقته ترتيب قضاء الأوقات بما يعود عليه بالفائدة والراحة، مع وضع برنامج مرن يستطيع التغيير فيه بحسب قدراته وإقباله على العمل دون تسويف، فهو ينطلق من رؤية تعتبر الوقت أمانة إلهية ومسئولية أخلاقية يتعامل معها بجدية واهتمام.