آخر تحديث: 5 / 4 / 2025م - 2:42 ص

حيث يلتقي الحلم بالواقع وتُفتح أبواب الأمل

عماد آل عبيدان

في لحظات ما بعد الغروب، حين يتناثر الضوء الأخير من بين غيوم السماء، تُخلق تلك اللحظة السحرية التي تنبض فيها الأرواح بأحلامٍ تلامسها النسائم الأولى من الفجر. كانت السماء في تلك الليلة ترفرف بأجنحة من النور، وكأنها تفتح أبوابها أمام الأماني التي كانت مغلقة في قلوبنا طوال العام، لتتسرب منها رغباتنا وعزائمنا، وتعود الروح لتنعشها بشذا العيد وأهله.

تجسد أعياد الفطر أكثر من مجرد مناسبات موسمية، بل هي لحظات من التقاطع بين الزمان والمكان، بين الماضي والحاضر، بين ما كان وما سيكون. وبينما كنتُ أسير في عمق تلك اللحظات المرهفة، شعرت وكأن العيد ليس مجرد احتفال، بل هو انعكاسٌ لعودة الروح إلى جسدها، لحظة الانبعاث الجديدة التي يتلاقى فيها المجهول مع المعلوم. إنه الفرح الذي لا يُسأل عن سببه، بل يكفي أن نعيشه، يكفي أن نسمح له أن يغمرنا بكل ما يملكه من بهجة وتهويد.

وهنا، في ذلك اللحظة المعطرة برائحة الورد والحناء، وجدتُ أن العيد لا يُقاس بالزمان الذي يُحتفل فيه، بل في تلك اللحظة التي تلامس فيها أيدينا أرواحنا، حيث نشعر أننا على حافة الفرح، على شرف اللحظة التي تفتح أمامنا أبوابًا لم نرها من قبل. إنه بداية جديدة، نغسل فيها الأيام الماضية، ونأخذ من العيد قوة تملأ أكواننا الداخلية بالضياء.

ثم جاء في خاطري، وكأن هناك شعاعًا من النور قد لامس قلبي في لحظةٍ فارقة، ”إنما العيد هو بداية الحرية للروح التي كانت مكبلة بالأمس، هو امتداد للفرح الذي نتشارك فيه مع أنفسنا ومع من حولنا.“ هي العبارة التي جادت بها روحي، ولم أكن لأدركها إلا في هذا التوقيت. تلك اللحظة التي نعيد فيها تعريف العلاقة مع الحياة، حيث تكمن الحقيقة الكبرى: أن العيد ليس مجرد تاريخٍ عابر، بل هو علامة فارقة، لحظة تحول حقيقية تتجدد فيها الأماني والأحلام.

”كما لو أن العيد هو المفتاح الذي يُفتح به باب الأمل المغلق، هو النبض الذي يبعث فينا روحًا جديدة تجعلنا نرى كل شيء بطريقة لم نرَها من قبل.“ هذه العبارة، التي تطرقت إليها روحي كعطرٍ قديم لا يُنسى، تظل تتردد في ذهني وكأنها موسيقى تتناغم مع وجداننا. هي التي تجعل كل خطوة نخطوها في العيد، وكل كلمة نلفظها، تتفتح أمامنا كزهرة الربيع الأولى التي تبوح بحلمٍ جديدٍ لا نهائي.

وتدرك الأرواح في تلك اللحظة، أن العيد ليس مجرد زمن يمر على تقويم الأيام، بل هو لحظة تلتقي فيها المعاني العميقة، اللحظة التي يُنحت فيها الفرح بأيدٍ تعشق الحياة وتفهم أن كل عيد هو بداية جديدة لبناء الذات. فالعيد ليس في الصور التي نحتفظ بها في الذاكرة، بل في كيفية عيشنا له وتفسيرنا لوجودنا فيه.

وإذا كان للعيد أيُّ شيءٍ خاص، فهو أن الأرواح التي تعيشه ليست تلك التي تنتظر شيئًا، بل تلك التي تخلق من اللحظة الفائتة بداية جديدة. وبينما تنساب البهجة بين الوجوه، بين الفرح والنور، يُعلن العيد عن ذاته، ويبقى يتردد في قلوبنا كنبضٍ يعلن الفجر بين ثناياه.

في النهاية، يظل العيد هو الضوء الذي نبحث عنه في الظلمات، هو اللحظة التي تكتب فيها الأرواح فصولًا جديدة من الفرح، وتطوي في صفحاتها الهموم والأحزان. فهو، في أبسط معانيه، البداية التي تُمكّننا من أن نكون أكثر حرية، وأكثر قدرة على العيش بسلام مع أنفسنا ومع من حولنا. وها هنا، في ليلته الأولى، يتجدد الأمل، ويُكتب فصل جديد في قصة العمر.