آخر تحديث: 3 / 4 / 2025م - 3:17 ص

الذي اشترى من بقالة والِدي ولم يدفع

عقيل المسكين *

في بضع سنوات افتتح والدي في المحل الكبير للعمارة بقالة بفتحتين، وأعتقد أن ذلك كان في آخر سنوات المرحلة المتوسطة 1403 هـ، والمنجرة تم نقلها إلى مكان آخر، وفي بعض الأحيان أجلس فيها للبيع أوقات ما بعد الظهر حتى المغرب ثم يأتي والدي، بعد أن ينتهي من أعماله في المنجرة، وفي ذات يوم جاء رجل من حي الديرة نفسه الذي فيه البيت العود، وسأل عن ال ”بِريد“ الذي هو من المخابز الوطنية للحاج عبد الله المطرود، فدللته عليه إلا أنني لم أعرف كم قيمته بالضبط لأنني جديد في هذا العمل كبائع في البقالة، فأخذ البريد وقال: سآتي مرة أخرى وأسدد لكم القيمة.. ثم خرج.

عندما عاد الوالد وكان بمعيته أخوه العمّ عبد الله، وأخبرته بذلك، فقال لي:

- ولماذا تركته يأخذ ال ”بِريد“ دون أن يدفع؟

فقلت: قال بأنه سيأتي في وقت آخر للدفع.

فاغتاظ مني عمّي عبد الله، وكشّر في وجهي، وشعرت بأنني ارتكبت خطئاً كبيراً، ولكنني بكل صراحة لم أعرف الردّ لا على والدي ولا على العمّ عبد الله، إلا أنني وبكل صراحة قلت في نفسي:

- لعل هذا الرجل من الأساس لا يملك ثمن ”البريد“، وأطفاله بحاجة إليه.

أو لعلّه لم يستلم راتبه من عمله بعد.

أو لعلّه استلم راتبه ونفد بسرعة بسبب تكاليف الحياة ومصاعبها.

أو لعلّه دفع راتبه للدّيانة وهم لا يستطيعون الصبر على المديونين كوالدي عندما يأتي إليه بعض الدّيانة في البيت أو في المنجرة أو حتى في هذه البقالة التي للتوّ قد افتتحها لعل الله يوسّع علينا أرزاقنا نحن عائلة المرحوم الحاج مدن المسكين وعائلة المرحوم الحاج منصور المسكين.

أو لعلّ الراتب يكفيه إلا أن المكان الذي يعمل فيه قد تأخر عن صرف راتبه، كما يتأخر والدي عن صرف رواتب الحرفيين الباكستانيين والهنود الذين يعملون في المنجرة والألمنيوم والحدادة بسبب تأخر الناس عن سداد المستحق عليهم من هذه الأعمال التي يقدمها والدي لهم.

أو لعلّ لديه زوجة تنكّد عليه حياته إن لم يحضر لها اللوازم المنزلية من مواد غذائية ومواد تنظيف وغير ذلك من مستلزمات العوائل التي تُشترى من البقالات، وخرج مضطراً لشراء المطلوب وهو في حالة من الضجر ولا يملك المال أو يملكه ولكنه يتركه لمشتريات أهم من ال ”بريد“، ثم يأتي ويسأل عن قيمته عندي في البقالة وعندما قلت له لا أعلم يقول سآتي مرة أخرى للدفع ثم ينسى أو يتناسى بسبب ضيق ذات اليد أو كثرة الالتزامات على عاتقه.

في المساء، أخبرني والدي أن الرجل الذي أخذ ”البريد“ لم يأتِ مطلقاً، وهذا يعني أن «اللعلاّت» الكثيرة التي دارت في خاطري كلها باءت بالفشل في التماس العذر لهذا الرجل.

فقلت في رأسي: أو لعلّه حرامي.