قصة مضحكة / مُبكية
المسك:
- في الدور السفلي من البيت العود، وفي غرفتنا التي ننام فيها أنا وإخوتي وأخواتي، ذات مساء كان والدي جالساً مع صديقه وجارنا في الديرة أبو هاني الحاج أحمد الزاكي، وكانا يحتسون الشاي ويتجاذبان أطراف الأحاديث، وكنت معهما أستمتع بأحاديثهما وأشرب الشاي معهما، إلا أنني كنت أمسك برشّاش لُعبة من الرشاشات التي كانت جدتي أم ناجي تحضرهم كهدايا للأطفال بعد عودتها الميمونة من إحدى سفراتها إما للحج أو العمرة أو للعتبات المقدسة بالعراق، وكنتُ فرحاً بهذا الرشّاش البلاستيكي - ولونه أزرق فاتح -، حيث كنت أضع في فُوّهته ذلك السهم وفي رأسه قطعة دائرية مطاطية، بحيث لو أصوّب على المراية فإن السهم يلتصق فيها، فأنزعه ثم أضعه في فوّهة الرشاش وأصوّب مرة أخرى على سطح أملس فيلتصق السهم بسبب القطعة المطاطية المحدّبة نوعاً ما حتى تتم عملية الالتصاق بسبب التفريغ الهوائي عند ملامسة السطح الأملس، وصادف أن وضعت في هذا الرشّاش اللعبة ذلك السهم المشؤوم وبالغلط قمت بالضغط على الزناد بسبابة يدي اليمنى، فما كان من السهم وإلا وقد انطلق في أقل من الثانية ولم يجد مكانًا يلتصق به إلا جبهة والدي - رحمه الله -، فشعر بمفاجأة الضربة وأحس بشيء خفيف من الألم، فنزعه من جبهته بيده اليمنى، وقام يريد ضربي إلا أن الحاج أحمد الزاكي مسكه ومنعه من ذلك، وأجلسه مرة أخرى، وقال:
- ما يدري.. ما يدري، بعدين هو طفل صغير.
لقد هدأ والدي من فورة الغضب، ثم جلس مكانه إلا أنه مدّ يده وأخذ مني الرشاش اللعبة، وبدأ بتكسيره قطعة قطعة، ولا زلت أتذكر هذا المشهد جيداً، بل لم يترك حتى السهام الخاصة بهذا الرشاش أخذها مني وكسّرها مع الرشاش نفسه، حتى رأيت قطعه تتناثر بجانب والدي.
لقد أخطأتُ بهذا التصرّف الذي قمت به، فليس من المعقول أن ألعب بهذا الرشاش أمام الكبار، ثم أنسى نفسي وأطلق سهماً من سهامه أمام الجُلوس، فلعل هذا السهم قد يصيب أحدهم في وجهه أو عينه فيؤذيه، ولم أتعلم هذا الدرس إلا بهذه التجربة المريرة التي لم أنسها من حوالي نصف قرن حتى تاريخ كتابة هذه السطور ونحن في عام 1446 هـ.
كما علّمتني هذه التجربة الصغيرة شيئًا كبيرًا وهو أن لا أقوم بأيّ تصرّفٍ شخصيٍّ قد يُمتعني نوعًا ما؛ ومن المفترض القيام به بمفردي وفي حدودٍ آمنة أيضًا؛ وإذا قمت به أمام الآخرين قد يُؤذيهم، وبالتالي فإنني لا يحق لي أن ألومهم إذا وبّخوني أو تعاملوا معي بشيء من القسوة لأن الخطأ من الأساس هو خطأي، والأمثلة في ذلك كثيرة ومنها:
ليس من المنطقي أن أكون في مجلسٍ ما ويوجد فيه بعض الإخوة والأصدقاء ثم أقوم بالتدرّب على إلقاء قصيدةٍ ما بصوتٍ عالٍ بحيث أزعجهم وأخرجهم عمّا هم فيه من أحاديث يتجاذبون أطرافها فيما بينهم، فهذا التصرّف الذي قمت به قد يؤذيهم لأنه تصرّف خاص بي وكان بإمكاني أن أقوم به بمفردي في المجلس أو في مكتبتي الخاصة.
ولا يمكنني وأنا جالسٌ مع جمعٍ من الأهل في مجلس أو صالة وهم يتحدثون في موضوع ما، ثم أقوم بمقاطعتهم كلهم وأشغّل اليوتيوب بصوتٍ عالٍ على مقطع من فيلم أو أنشودة أو مقطع من رواية أو كتاب صوتي، لأن هذا التصرّف مني سيؤذيهم ويدخلهم في ”مُود“ آخر لا يخصهم على الإطلاق.
هذا بالضبط ما فعلته وأنا أجلس مع والدي والحاج أحمد الزاكي، وهما يتحدثان في مواضيع شتى ويحتسيان الشاي، وأنا جالس بالقرب منهما ثم قمت بما قمت به، وكأنني خدشت متعة جلستهما هذه، وقمت بتخريب حالة الصفاء والمسامرة الجميلة، فاستحققت هذا العقاب الذي حصلت عليه من والدي - رحمه الله -.
الروائياتي:
- بالفعل هو موقف مضحكٌ ومبكي في الوقت ذاته، وهذا عادة تحدث كثيراً حيث يقوم أحد الأطفال دون قصد أثناء قيامه باللعب بلعبةٍ ما.. ثم بطريق الخطأ يصيب أحد أبويه بشيء من الأذى، فتقوم الأم أو الأب من جرّاء هذا التصرف من طفلهما بتكسير هذه اللعبة؛ بل يتم نهر الطفل لأنه قام بذلك، ولِعلماء التربية رأي في ذلك، كما لعلماء الاجتماع ولعلماء النفس آراءهم في ذلك أيضاً، وهذا التصرف الذي يقوم به بعض الآباء أو الأمهات عندما يكسرون لعبة الطفل أو يقومون بنهره لأنه تسبب دون قصد في إصابتهم بشيء من الأذى يُعتبر من التصرفات غير المناسبة تربوياً، وعلماء التربية وعلماء النفس والاجتماع يرون أن تصرّف الآباء بهذه الطريقة القاسية أغلبهم يرون أنها قد تؤدي إلى آثار سلبية على الطفل، ومنها تعزيز الشعور بالذنب والخوف، فعندما يُعاقب الطفل بشدّة على خطأٍ غير مقصود، قد يتكوّن لديه شعور عميق بالذنب والخوف من تكرار الخطأ، مما قد يؤثر على ثقته بنفسه ويؤدي إلى تراجع في قدرته على التعبير عن مشاعره، وكذلك التعلم من خلال العنف، فعندما يشاهد الطفل أن الأبوين يعالجان المواقف بالعنف «مثل تكسير اللعبة»، قد يعتقد أن هذا السلوك هو الطريقة المثلى للتعامل مع الأخطاء، مما يمكن أن يعزز السلوك العدواني لديه، ومن هذه النتائج فقدان الشعور بالأمان فالطفل يعتمد على والديه للشعور بالأمان والدعم؛ وعندما يرى أن أحد الأبوين يعامله بغضب بسبب خطأ غير مقصود، قد يشعر بأن هذا الأمان مهدد.
أما التصرف المثالي في مثل هذه الحالات فيجب على الأبوين التحكم في الانفعالات وفي ردود أفعالهما، حتى وإن كانت الإصابة مؤلمة، والتأكد من أن ردة الفعل تتناسب مع الحادثة؛ من الأفضل أخذ نفس عميق وتهدئة الأعصاب قبل اتخاذ أي إجراء، وكذلك يجب التحدث مع الطفل بهدوء أثناء بتوضيح الموقف للطفل، مثل أن يُقال له: ”لقد أصبتني دون قصد أثناء لعبك، من الأفضل أن نكون حذرين في المستقبل“، وكذلك تحويل الموقف إلى فرصة للتعلم بدلاً من العقاب، حيث يمكن تحويل الحادثة إلى درس تعليمي، مثل التحدث عن أهمية الانتباه أثناء اللعب وكيف يمكن تجنب إصابة الآخرين عن غير قصد، وأيضاً يجب تشجيع الطفل على التعاطف فمن الجيد أن يُطلب من الطفل التفكير في مشاعر الآخرين، مثل: ”كيف تشعر لو كنت مكاني وأصابك شخص ما؟“، هذا يُنمي لديه القدرة على التعاطف مع الآخرين، وكذلك تعزيز السلوك الإيجابي بدلاً من التركيز على الخطأ، يمكن تشجيع الطفل على الحذر في المستقبل من خلال تعزيز السلوك الإيجابي؛ وعلى سبيل المثال: ”أنا متأكد أنك ستلعب بحذر في المرة القادمة، وأنا أقدر ذلك.“