آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 1:08 م

الإمام الصادق عليه السّلام

عبد الرزاق الكوي

الإمام الصادق عليه السّلام

ذكرى وفاة الإمام السادس من أئمة أهل البيت عليهم جميعا أزكى وأعطر السلام، الإمام جعفر بن محمد الصادق… من الأحداث الحزينة لمكانته وسمو قدره ورفعة شأنه، نور من الأنوار الطاهرة وقامة من قامات أهل البيت سيرة عامرة بالإيمان وزاخرة بالعمل الدؤوب في خدمة الدين والإسلام وبناء مجتمع راق مرتبط بقيم السماء، آثار هذه السيرة العطرة تنير سماء الإنسانية علما وتقوى وصلاح، طريق مستقيم أصله ثابت من الرسول ﷺ، ويتناقله الأئمة جيلا بعد جيل جهادا ومثابرة وتضحية وإخلاص في العمل مهما كانت الصعاب والمشاق، سلكوا الدروب الوعرة، وواجهوا الأزمات والتحديات، فكان المجد حليفهم ملكوا القلوب بنقاء سريرتهم وصلاح قلوبهم سير وفضائل لا تعد ولا تحصى هو تاريخهم الناصع بالثبات على الحق من أجل العيش بكرامة وبناء مجتمع فاضل مرتبط بقيم أهل البيت .

قال مالك بن أنس إمام المالكية: «وما رأتْ عَينٌ، ولا سمعت أذنٌ، ولا خَطَر على قلب بشرٍ، أفضل من جعفر بن محمّد الصادق، علماً، وعِبادة، وَوَرَعاً».

استوعب الإمام الصادق بما امتلك من شخصية علمية وقيادة زمام الأمور العلمية والتربوية في زمانه رغم الضغوطات المسلطة عليه، التف حول مدرسته مختلف الثقافات والتوجهات الفكرية وحاور المخالفين والزنادقة، فكان علما زاخرا وشخصية متكاملة كان ولا يزال حديث الناس.

قال أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي «قدس سره»: كان أعلم أولاد رسول الله في زمانه بالاتفاق، وأنبههم ذِكْراً، وأعلاهم قدراً، وأعظمهم منزلة عند العامة والخاصة، ولم يُنقل عن أحد من سائر العلوم ما نُقل عنه، فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسامي الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في المقالات والديانات، فكانوا أربعة آلاف رجل.

سنحت له الظروف في فترة انتقالية بين حقبتين خطرتين على أهل البيت عليهم، فظهر ما ملاء الدنيا علما، فانتشرت في هذه الفترة القصيرة العلوم حيث بلغ عدد تلاميذه، ومن روى عنه 4000 شخص، وانتسب المذهب الجعفري للإمام الصادق لما بدله من عطاء علمي وثبات في الرأي سمي بالصادق كجده المصطفى ﷺ، فقد كان الإمام جعفر من محمد اشتهر بالصادق، وكان أعلم أهل زمانه.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [الزمر: آية 33،34].

فالمصداقية هي علامة مشتركة من أئمة عصمهم الله تعالى، عندهم ما تحتاجه البشرية من قيم ونموذج للعلاقة بينهم وبين خالقهم جل وعلا وعلاقاتهم مع بعض كأفراد ومجتمعات، والذي بقي إرثهم يتداول وفكرهم يعمل به من أجل الصلاح، ذكراهم حياة تعاش وليس مجرد دمع يذرف مع ما لعظمة البكاء والدمعة على مثل هذه القامات العظيمة من أجر وثواب وقوة ارتباط وثبات في العلاقة، فالحزن باق على فقدهم ما بقيت الأيام والليالي، وما بقي نبض في قلب هم ساكنيه.

تبكي العيون بدمعها المتورِّد
حزناً لثاوٍ في بقيع الغرقد

تبكي العيون دماً لفقد مبرّزٍ
من آل أحمد مثله لم يُفقد

أيُّ النواظر لا تفيضُ دموعُها
حزنا لمأتم جعفر بن محمّد

الصادق الصدِّق بحر العلم
مصباح الهدى والعالم المتهجّد

رزءٌ له أركان دين محمّدٍ
هدّت وناب الحزن قلب محمّد

رزءٌ له تبكي شريعةُ أحمدٍ
وتنوح معولةً بقلب مكمد

رزءٌ بقلب الدين أثبت سهمه
ورمى حُشاشة قلب كلِّ موحِّد

حزنا سيبقى مع ذكرى عطرة وتاريخ ناصع من الفكر الرباني، خلق وصدق منطق، أصبح العلامة الفارقة ليس في زمانه فقط، بل في كل الأوقات وكل الساحات الفكرية، هو أستاذ الأجيال الذي يتتلمذ على فكره وعلمه الجميع، ويسعى للأخذ من ينبوع هداه ومنهاج عطائه، في واقع صعب وظروف بالغة القسوة وتضييق وملاحقة، كواجب شرعي قام بالدور المناط به، وكان أهلا لذلك، واجه فيه تيارات فكرية واتجاهات تكفيرية وفتن متداخلة وزنادقة حاقدة، فكان المدافع القوي صاحب الفكر الراسخ دافعاً، وتخرج من تحت يديه جملة من العلماء والمفكرين بمختلف التخصصات، مع ما كان له من عبادة اشتهر بها. أما صائم أو قائم، أو يقرأ القرآن الكريم، مما انعكس على تكامل شخصيته وما اشتهر عنه من تقوى القلب وصدق الكلام ونباهة، لحديثهم «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث علي بن أبي طالب، وحديث علي حديث رسول الله ﷺ، وحديث رسول الله ﷺ قول الله عز وجل».

بكل ذلك يقينا هو أستاذ الفقهاء والمحدثين ومرجع العلماء والمفكرين، الصادق الأمين على تراث سيد المرسلين، امتدادا نورانيا من أصلاب مطهرة.

قال تعالى «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ»،

بعد عمر زاخر بالعطاء والجهاد الفكري أفناه في الدفاع عن قيم الإسلام فقدت البشرية سيد من ساداتها وعظيما من أبناءها ترك في غيابه فراغا لم لن يسد لأن مثل هذه القامات لا تتكرر، دفن في البقيع إلى جانب آباءه وجدته فاطمة الزهراء ، عظم الله أجور الموالين بهذا المصاب الجلل، ورزق الله تعالى الجميع زيارتهم والسير على خطاهم في الدنيا وشفاعتهم في الآخرة.