آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 1:08 م

مقترح حول الظاهرة الشعرية المحلية

محمد الحرز * صحيفة اليوم

تحليل المشهد الشعري انطلاقا من نموذج معياري تقاس عليها التجارب الشعرية شيء، ومحاولة رصد سماتها الفنية وعالمها الشعري وما تحاول قوله لنا شيء آخر.

المقارنة هي نموذج معياري يمكن التعويل عليه في فهم هذه التجارب من العمق،

شريطة أن نعي محدودية النموذج الذي نقيس عليه تجاربنا، والكشف عن تناقضات هذا النموذج حال تطبيقه مطلب ضروري؛ كي نحدد على أي أرضية نقف حين نحلل الظاهرة الشعرية المحلية.

ناهيك عن رفع الالتباس بين الخصائص الاجتماعية والثقافية التاريخية التي تتغذى عليها تجاربنا الشعرية في علاقتها بالمخيلة والكتابة والأرض، وبين جميع الخصائص التي تنتمي إلى النموذج المعياري.

هذه المقدمة ضرورية بالنسبة لي، كي أوضح أن ثنائية «القرية - المدينة» هي من النماذج التي لا يعوَّل عليها في قراءة المشهد برمته.

ولأسباب موضوعية هي في ظني على درجة كبيرة من الأهمية، أولها غياب شبه تام للدراسات التي تعيد وصل تلك التجارب بالمجال الإنثروبولوجي والسسيولوجي، وبإعادة وصلها أيضا بمجال دراسة الهويات القبلية والطائفية والمناطقية وانعكاس تصوراتها على النص.

هذا التنسيب ملمح مهم للناقد كي يضع التجربة موضع الانتماء إلى سياق معين، مهما كان شكل هذا السياق.

ثانيهما هذا الغياب جعل ظاهرة التعميم سمة تتسيد المشهد، حيث تتجلى هذه السمة في المنازلات والمساجلات، بين حين وآخر، بين تيار التجديد والحداثة من جهة وبين تيار التقليد من جهة أخرى.

ثالثهما لو تأملنا النموذج ذاته، ومدى قدرته على استيعاب مجمل التجارب، وبالتالي فهمها وتحليلها وفق المعطيات التي يتيحها الواقع، لا نجد منه سوى الممانعة على الاستيعاب، لسبب بسيط يضاف إلى ما ذكرناه هو أن تاريخ المدينة في بلادنا ليس سوى الوجه الآخر للقرية، أي أنك لا تتلمس حدودا فاصلة بين الاثنين، كي نضعهما في تقابل أو تضاد الواحد إزاء الآخر، ثم ندرج هذه تحت قيم معينة، وتلك تحت قيم أخرى مغايرة، كما كانت عليه الحال في تاريخ تشكّل المدينة في أوروبا وعلاقة هذا التشكل وأثره على الأدب الأوروبي في مختلف مراحله، وتشكل أجناسه الأدبية.

كنت قبل فترة اقترحت في دراسة لي، النظر إلى التجارب الشعرية ضمن محور «الأرض - الكتابة» على اعتبار أن الأرض في تصوراتنا المجازية هي امتداد الصحراء في التاريخ، كما هي الكتابة امتداد للهويات التي تمثلنا في النص.

هنا المدينة.. والقرية متضمنة في مفهوم الأرض، وليست مفصولة عنه. وكوني شاعرا من الأحساء يمكن أن ألحظ أن الشعر في أذهان الكثير من شعرائها هو بمثابة مصدات واقية ضد أي مساس بقدسية الأرض التي تمثل وجودهم التاريخي والاجتماعي كقيمة عليا.

هذه الوظيفة الشعرية لا تنبع من كونها تنتمي إلى القرية بقدر انتمائها إلى تلك العلاقة الخاصة التي يقيمها أهل الأحساء في مخيلتهم بين الأرض من جهة، ووجودهم كهويات من جهة أخرى، وهذا الأمر ينطبق على الشاعر، سواء كان في القرية أو في المدينة.

الانفكاك من هذه الحالة لا يشترط عندي الانتقال إلى ضفة المدينة بقيمها وتصوراتها، بل هو الحفر في ذات المكان دون شروط مسبقة أو علامات محفزة.

بالتأكيد التمحور حول الأرض بالهالة القدسية المضفاة عليها أدى فيما أدى إليه إلى طغيان هذه القداسة على تصوراتهم للشعر وعلى صيغه البلاغية وأشكال التعبير التي تعكس همومهم الحياتية وأفراحهم وعلاقاتهم الإنسانية.

ضمن هذا الإطار يمكن أن ننظر إلى تهويماتهم الرومانسية ليس كقيمة تتصل بتراث القرية بقدر اتصالها بهذا الكم الهائل من قداسة الأرض.

أعلم تماما أن مثل هذا التنظير أو المقترح يحتاج في إظهاره إلى سياق تطبيقي حتى يكتمل وإلا كان كلامنا غير مؤثر على الإطلاق، عسى في مقالات قادمة يتحقق ذلك.