آخر تحديث: 14 / 6 / 2024م - 5:02 م

الفرج من خلال ديوان «همس وحنين»

سلمان محمد العيد

حينما اقترح علي أخي الكبير الدكتور علي بن ابراهيم الدرورة كتابة شيء  ولو كان مختصرا عن الأستاذ الأديب والشاعر سعود بن عبد الكريم الفرج، وافقت بسرعة، رغم أن معرفتي بهذا الرجل إجمالية، بعيدة عن التفاصيل.

وقد دعتني عدة عوامل للكتابة عنه، لعل أبرزها أن الاستاذ الفرج هو ابن العوامية البار، وحين أقول: ”العوامية“ فإن شهادتي مجروحة بعض الشيء، لارتباطي النفسي والاجتماعي مع هذه البقعة العزيزة، ولا أريد الإسهاب في هذا الأمر كي لا أخرج عن الموضوع، ولكن النقطة الهامة في هذا الشأن أن كل أديب وكل شاعر هو ابن بيئته، والشاعر الفرج ابن العوامية، التي هي متميزة، وتملك القابلية للمزيد من التميز، وتمنح ابناءها التميز، لذلك فلا غرابة في أن يكون الاستاذ الفرج واحدا من المتميزين الكثر في العوامية على مختلف الأصعدة.

والنقطة الأخرى، إن الحديث عن شاعر ما، يكون من القطيف أولا، ومن العوامية ثانيا، ومن أسرة الفرج ثالثا، فإن هذه العوامل تكاد تكون  من وجهة نظري  كافية ومؤثرة في إبداع هذا الرجل، وأظن أن هذه العوامل أساسية في تجربة الاستاذ الفرج.

ولأني غير محيط بالتجربة بالكامل، ارتأيت أن أكون تلميذا لهذا الشاعر، وأحضر محاضرة له، لأكتشف ما يتسنى لي الحصول عليه، وذلك من خلال ديوان واحد، «نعم ديوان واحد فقط»، هو «همس وحنين»، وحاولت من خلال هذا الديوان رصد بعض معالم التجربة بناء على ما ورد  وما رأيته واطلعت عليه  في هذا الديوان، واتفق مع من يقول  ومن سيقول  بأن تجربة 40 أو 50 عاما لا يمكن رصدها من ديوان واحد، وجمال البحر لا تحدده لؤلؤة واحدة وبهاء البستان لا تصوّره وردة واحدة، ولكن اللؤلؤة والوردة يمكن أن تعطي لمحة وبعضا من الحسن، فأنا جئت إلى هذه اللؤلؤة في هذا البحر، وتلك الوردة في هذا البستان.

بعد هذه المقدمة المختصرة، أقول بأني تعمّدت أن أصفّي ذهني الملوث، وجئت أقرأ هذا الديوان، ولم أشأ أن اقرأ غيره، رغم توافرها عندي، وسهولة الحصول عليها، من الشاعر نفسه أو من قرنائه، والقريبين منه.

ومن خلال هذا الديوان خرجت بالنتائج التالية:

أولا: شاعرنا  من خلال هذا الديوان  ليس عاشقا وحسب، وإنما يورد مبررات لهذا العشق، فلم يسر في شعره بأن الحب ليس له تفسير، أو كما قال أحدهم: ”ما قتل الحب سوى التفسير“، شاعرنا أعطى مبررات وجيهة لحبه وعشقه، فيرى أن الحب قيمة مقدسة يمكن من خلالها تحقيق العزة والكرامة، وربّما كانت هذه صورة أو إضافة جديدة لمعاني الحب عند الشعراء، العاشقين.

في هذا الصدد يقول شاعرنا في قصيدة «لا تغلقوا»: 

فلنجعل الترحاب درب محبة،
إن المحبة للأنام وسام

أو كما قال في قصيدة «كم ليلة»:

ما زلت في شوق لميساء نابض
إن الحياة بدون حب تعدم

وفي قصيدة تدل صراحة على ما ذهبنا وتحت عنوان «بالحب نسمو» يقول:

رأيت بنا الدنيا كأجمل منظر
ولكننا بالحب نبني منائرا

وكما يقول في قصيدة «يا أيّها الشباب النبيل»:

والحب إن ساد البلاد فإنه
نهر وكل الواثبين ثغور

ورغم أن شاعرنا ذكر هذه الحقيقة، وهي محورية الحب لصياغة الحياة، وتبنّاها في معظم قصائده، إلا أنه أراد التعبير عنها بأسلوب مباشر كما ذكرنا، وبأسلوب معاكس أي ذكر المقابل للحب وهو «الحقد، والكراهية والجفاء... الخ» فانتقدها نقدا حادا، فيقول في قصيدة «سأبقى»:

سأبقى على الأيام أرفع هامتي
وارسم لوحات الجمال بهامتي

واشمخ في درب المحبة عاليا
وإن حاول العذال طمس مودتي

ألا انزع قناع الحقد إنك واهم
فإني رأيت الحقد أسوأ عادةِ

فالشاعر هنا يرى أن هامته قد ارتفعت وكرامته قد حفظت وأن شموخه قد تحقق، وبالتالي إنسانيته فد بقيت، لسبب واحد هو ”الحب“ والمودة للآخر «المرأة، الوطن، الجمال، الحوار.... الخ»، وبغضه للحقد الذي هو ”أسوأ عادة“.

ولعل لفتة يمكن أن تقال في هذا المقطع، بأن شاعرنا إذا لم يصرّح بقيمة الحب، فإنه يصرّح بسلبية المقابل له وهو الحقد «بشتى مصاديقه»، وإذا كان الحقد هو ”أسوأ عادة“ لدى شاعرنا الحبيب، فإن الحب  مقابل ذلك  هي أفضل عادة، وربما كان هذا من الأساليب الرائعة للعرض، بأن عرض النقيض لأثبات الأصل، أو حسب التعبير ب ”مفهوم المخالفة“، أو الاستدلال غير المباشر ب ”التناقض“ وهي نفسها موجودة في بعض أبواب البلاغة العربية تحت باب ”الطباق والمقابلة“.

ثانيا: إن شاعرنا الحبيب، من خلال الديوان غلب عليه شعر الحب لكنه في الوقت نفسه لم يكن مقتصرا على هذا النمط من الشعر، رغم أهميته لدى الشاعر ومحوريته، فتعدّدت الموضوعات، فقد وجدت الشاعر الفرج  من خلال ديوان همس وحنين  شاعرا غزليا، وشاعر وصف يقف على الأطلال، وشاعرا وطنيا، وشاعر مناسبات، وشاعر حكمة، وله شعر سياسي أيضا، أي أن الموضوعات التي يتناولها متنوعة حسب الموقف، وحسب الانفعال، وهذا يدل على غزارة ثقافة هذا الشاعر، وتنوع اهتمامه، وبالتالي قدرته الإبداعية متميزة حسب الموقف، وحسب الموضوع.

في قصيدة «يا أيها الشباب النبيل»، وجدنا الشاعر، شاعر مناسبات بامتياز، إذ يهنّي ابن عمه عبد المحسن الفرج بمناسبة فوزه في انتخابات غرفة الشرقية فيقول فيها:

بالعزم شأنك مشرق ومنير
تمضي بدرب للكفاح تسير

آمنت بالعلم المفيد وسيلة
امست به تلك العقول تشير

فهو بهذه المناسبة يمتدح ابن عمه، فصار شاعر مناسبة، وشاعر مدح في آن واحد.

كما أنه شاعر حكمة أيضا، ففي القصيدة نفسها، المذكورة يقول:

إن الحياة بدون قلب طامح
محجوبة حتى تضيء بدور

لا تنهض الأوطان إلا بالألى
هم للطموح سواعد وجسور

وكما قال في قصيدة «ما عادلي»:

فابدأ بيومك باسما متفائلا
إن التفاؤل من مفاتيح الظفر

أو كما يقول في قصيدة «الأوجام بلد الذكريات»:

لا خير في الدنيا إذا لم أقل بها
مقالة صدق في لسان المدى تروى

وفي قصيدة «أبا أمجد» يمتدح صديق عمره ورفيق صباه وابن عمه زكي بن نصر الفرج، ويشيد فيها ببعض صفاته كالوفاء والكرم والتواضع وحسن الصحبة، ليخلص فيها إلى القول:

ستبقى على الأيام رمز مودة
أردّد فيك الشعر وهو خجول

وله أكثر من قصيدة يقف فيها على الأطلال، مثله مثل شعراء العصور العربية السالفة، ففي قصيدة «الأوجام بلد الذكريات الجميلة»، يعرض فيها ذكريات مرّت عليها سنوات طويلة، ويمتدح أهل هذه البلدة، ويستعرض حنينه لها ولأهلها، وحبه لها فيقول:

إذا ضامني يوم من الدهر جئتها
وجدت بها الأخلاق من اهلها سلوى

سلام على الأوجام في كل محفل
فلا زالت الأشواق من ذكرها شجوا

سأبقى مع الخلّان أذكر عهدها
وإن عّزت الآمال أو طالت الشكوى

وأما في قصيدة «في بلاد الخط» نجد هذا الأمر أكثر وضوحا، حيث يرثي الزمن الماضي في القطيف فيقول:

في بلاد الخط كانت جنة
رسمت فوق أحلى السوسنا

هي للنازح كانت مربعا
خيرها عم الدنا والوطنا

كلما عدت إلى عهد مضى
هزّني الشوق وابكاني العنا

لم يعد شاطئها في ألق
هاجر النورس يشكو حزنا

كما زرت جنانا في الدنا
ذكرتني بقطيفي يا منى

وللشاعر مواقف عدة ووصف عددا من المدن الحديثة التي زارها مثل بغداد وعجلون وغيرها.

 أما الشعر الوطني والسياسي، وإن لم يأخذ مساحة واسعة في الديوان إلا أنها موجودة، على سبيل المثال، يقول في قصيدة «لا تغلقوا»:

إن الحوار إلى الشعوب سلام
فعلى رؤاه تحققت أحلام

ولكم أضيئت بالحوار نوافذ
فيها من القول السديد وئام

ولكم كسبنا بالحوار مواقفا
سارت بها نحو الرؤى الأفهام

لا تغلقوا باب الحوار فإنه
رمز وفي هذا الوجود يقام

فلنجعل الترحاب درب محبة
إن المحبة للأنام وسام.

ثالثا: في الوقت الذي كان شاعرنا قد اتسم بالحالة الكلاسيكية في العرض على صعيدي الشكل والمضمون، نجد له في الديوان الذي نحن بصدده شعرا يصنف على الشعر الحديث «الشعر الحر، أو شعر التفعيلة»، بل أنه في بعض اشعاره الملتزم بأوزان الخليل بن أحمد يورد ألفاظا حديثة أو مستحدثة، وكأنه يريد القول بأنه كلاسيكي منسجم مع الحداثة.

يقول الفرج في إحدى قصائده:

قال لي الصحب تسلّ ساعة
كيف أسلو والضنى بعض رؤاك

أننا العشاق في سلوتنا
نتهادى حين نسمو في رضاك

فمتى الأيام تصفوا بيننا
علنا يا ”مي“ نسلو في رباك

صمت ”الجوّال“ في نغمته،
وغدا القلب حريقا من جفاك

ففي هذا المقطع نجد أن الفرج عاشق يعيش الحب كالذي عاشه قيس بن الملوح، ولكن هذا الأخير يخاطب أشياء أخرى، في حين ان شاعرنا يبقى من العصر الحديث، عصر الجوال والانترنت، وإن كان متيّما ومصابا بداء العشق، فالعشق هو سلوك إنساني أصاب عنترة العبسي، وامرؤ القيس الكندي وابن الملوح العامري، ونزار قباني السوري، والفرج العوامي.

وفي مقطع آخر يقول:

وصلت إلى تلك المرابع ليلة
فعدت ولا درب لديك مسامرا

فلا نلت شيئا في هواك بطلعة
ولا أنت من بعد الهوى نلت عاذرا

وحاربت أهلي في هواك وصحبة
وما كنت يوما في ودادك ظافرا

في هذا المقطع من بحر الطويل، وهو البحر المحبب لكثير من شعراء العصور القديمة، خصوصا الشاعر قيس بن الملوح، فشاعرنا هنا كلاسيكي بحت في الشكل والمضمون، ويسير بإصرار تام على بحور الخليل خصوصا هذا البحر المحبب لهم مثله مثل بحور ”الكامل، والبسيط، والخفيف“.

ولكن هل هذا هو شعر سعود الفرج فقط، ألا يوجد غيره في هذا الديوان؟

بالطبع كلا

يقول الفرج في قصيدة «السقوط»:

السقوط الأخير
هو وطن يحترق
موتاه
لا يتسع لهم المنافي
ترى عليهم علامات الشجوب

هنا يتخلّى الشاعر الكلاسيكي عن كل التزاماته بالعروض الخليلية، فتجده مختلفا، ويورد صورة أخرى وبلغة أخرى وبوسيلة أخرى هي تكثيف المعاني بألفاظ مختصرة تعتمد على التأثير الوجداني، أنه الشعر الحر. وفي مقطع آخر من القصيدة نفسها يقول الفرج الحداثي:

لا تطلبي مني سوى الحياة
فأنا لا أجيد الحزن
إلا عبر مأساة الطفوف

وتبعا لذلك يقول:

عندما ينكسر زجاج الأمل
تبقى الشظايا متناثرة
لا تعطي فسحة للحوار
فينحسر المطر

وأظن بعد عرض هذه المقاطع بدت الصورة واضحة، إن شاعرنا لم يعش في جلباب الكلاسيكية القديمة، دون أن يرفضها أو يتمرّد عليها تمردا كاملا، أو يعتبرها غير مجدية، أو لا تصلح للتعبير عن الذات، بل تعاطى معها وأبدع من خلالها، كما أنه انتهج النهج الحداثي في الشعر وأنتج أيضا، وإن كان قليلا في هذا الديوان بوجه خاص.

بناء على ذلك، يمكن القول إن شاعرنا قد اختط لنفسه طريقا خاصا، لا يمكن القول بأنه نسخة طبق الأصل من أحد، ولا يمكن القول بأنه متمرّد تمردا كاملا على الأصالة، وإنما وجدنا منه حرصا على التعاطي مع كل المدارس، وذلك انطلاقا من كون الشعر شعور بالدرجة الأساس.

هذا كل ما لدي والله الموفق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته