آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 1:08 م

استعادة التاريخ من منظور الفن الروائي

محمد الحرز * صحيفة اليوم

يُلاحظ في مشهدنا الثقافي بشكل عام عند بعض الكُتَّاب الروائيين، وبدعم أيضًا من بعض المؤسسات مثل دارة الملك عبدالعزيز، ميلٌ في التركيز على استعادة تاريخ الجزيرة العربية برجالاتها وقصصها الملهمة، وأحداثها المؤثرة من خلال السرد الروائي، على اعتبار أن مثل هذه الاستعادة ضرورة ملحَّة، تتطلبها المرحلة الراهنة، من تاريخنا المعاصر في جوانبه المتعددة: الأدبية والفكرية والسياسية والدينية.

فلا يخفى على أحد موقع الفن الروائي في الثقافة العالمية المعاصرة؛ كونه الفن الأكثر تأثيرًا في إبراز حياة المجتمعات المعاصرة، في مساراتها المتعددة، من اجتماعية وسياسية وتاريخية، وكونه أيضًا الفن الوحيد الذي يكاد يستوعب في داخله كل المعارف والفنون الأخرى التي تنتجها البشرية، بحيث يقوم بتوظيفها على هيئة قصص، يرى الناس فيها نماذجهم الأخلاقية والإبداعية وقِيَمهم وعلاقاتهم وتصوراتهم وتاريخهم أيضًا.

من هنا تكمن أهمية هذا الفن، ناهيك عن مكانته كحجر الزاوية للفن السينمائي الذي بدوره يتأسس بالأصل على المرويات والقصص، دون ذلك لا يمكن أن يوجد فن سينمائي يتمدد تأثيره بشكل كبير على ثقافة شعوب العالم.

لذلك.. القيمة الكبرى للفن الروائي يستمدها انطلاقًا من طبيعته التي لا يمكن أن يستغني عنها الفرد في حياته اليومية، فحياة الفرد عبارة عن مجموعة من القصص والحكايات التي لا تنتهي، بحيث تتقاطع قصص الأفراد مع بعضها البعض؛ لتشكّل بالتالي تاريخ الشعوب.

وإذا كان للأفراد قصص وحكايات تنتهي بالتالي تحت مسمى «التاريخ»، كذلك للأشياء والطبيعة والكائنات وأسرار الكون تاريخ يوازي تاريخ الإنسان والسرد الروائي كفيل بصنع هذا التاريخ بطريقة مشوِّقة ومؤثرة في نفس الوقت عبر الفن السينمائي من خلال الأفلام الوثائقية وأفلام الخيال العلمي والأفلام التاريخية.

هذا الترابط القوي والمتداخل الذي لا غنى لأحدهما عن الآخر، في الثقافة المعاصرة بين الفن الروائي والفن السينمائي، سواء على المستوى الاقتصادي كالمداخيل الكبرى لشركات السينما حول العالم، من جراء الإقبال الكبير على مشاهدة الأفلام، ومشاهدة نجومهم المفضلين من ممثلين وممثلات.

ناهيك بالطبع عن كُتّاب وكاتبات قصص الأفلام أو الروائيين الذين حوّلت قصصهم ورواياتهم إلى أفلام، واستغنوا واشتهروا بعد ذلك، أو على المستوى الاجتماعي والوطني، كالدول التي تضع رموزها الأدبية الروائية موضع الاهتمام والتقدير باعتبارها أحد أهم كنوزها الوطنية.

الدول الأوروبية سعت بشكل حثيث لإبراز هذه الكنوز في إرثها الروائي، بداية من كُتَّابها الكبار: سرفانتيس، مونتان، شكسبير، غوته، دانتي، ونهاية عند بروست وجويس وديكنز.. إلخ.

فجعلتهم أيقونات قريبة في متناول المجتمع، سواء في المتاحف أو كعلامات بارزة في المواقع السياحية المشهورة أو من خلال العناية الكبيرة بإرث هذا الروائي أو ذاك، سواء المكتوب منه أو المادي. فضلًا عن الجوائز الكثيرة والمتعددة التي شملت جميع جوانب الحياة الروائية المتنوعة.

هذا الاهتمام فضلًا عما قلناه عن أهمية السرد الروائي لاستعادة التاريخ، فهو يعبِّر في العمق عن الطبيعة الإنسانية والحضارية في التاريخ البشري، وإلّا كيف استطاعت شخصيات تخلقت عبر قصص وروايات أن تصمد أمام الزمن، وتصبح أكثر تأثيرًا في بعض الحالات من صانعيها من الروائيين كشخصية ماكبث وهاملت، الملك لير!!

لقد قال ذات مرة الناقد هارولد بلوم عن ولعه بشخصيات شكسبير «لقد استطاع شكسبير أن يغيّر المعنى الكلي لمفهوم أن تبتكر إنسانًا من الكلمات».

وهناك سلسلة طويلة من الشخصيات التي أصبحت أيقونات في تاريخ الأدب الغربي باعتبارها مرآة يرى الغرب من خلالها قيمه وتصوراته ورؤيته لنفسه وللعالم، وهذا بالتحديد ما نفتقده في مسار تحوّلات أدبنا العربي، فضلًا عن أدبنا المحلي، على الرغم من الكثرة الكاثرة من الكتّاب الروائيين والاهتمام المؤسساتي الواضح للعيان في هذه المرحلة من التحولات الحياتية الراهنة.