آخر تحديث: 20 / 6 / 2024م - 9:46 م

نحو استثمار السيرة المحمدية للتغيير..

قراءة في كتاب: «إضاءات من السيرة النبوية»

محمد علي الحرز
بطاقة الكتاب:

العنوان: إضاءات من السيرة النبوية.

تأليف: الشيخ حسن بن موسى الصفار.

دار النشر: أطياف للنشر والتوزيع: القطيف.

الطبعة الأولى: 1442 هـ - 2021 م.

يقع الكتاب في 238، مقاس وزيري.

إطلالة على الكتاب:

هناك بونٌ شاسع بين من يتَّخذ السيرة النبوية ومعالم حياة الرسول الأكرم للتبرُّك ومجرَّد العرض التاريخي، ومن ينظر لها وفق المنهج القرآني وأنها نور وهداية للسير على أثرها والاستضاءة بوهجها في مسيرتنا الحياتية، فالقرآن الكريم حين تحدَّث عن النبي الأعظم، من يكن الغرض منه إبراز ملامح ومراحل شخصية فريدة، وإنما أراد من المجتمع الإسلامي اقتباس الهداية منها، يقول الشيخ حسن الصفار في مدخليته ومقدّمته للكتاب: «ما تناوله القرآن الكريم من السيرة النبوية، جاء في سياق منهجيته المميزة في عرض القضايا والوقائع التاريخية، بالتركيز على موقع العبرة والدرس، وتبيين الحكم والموقف، بما يحقق الهدف القرآني الأساس، وهو الهداية والتنوير»[1] .

ثم يُبيِّن المصنِّف أهم العوامل التي ساهمت في الاهتمام الجماهيري المتزايد بقراءة السيرة النبوية في مرحلتنا المعاصرة، والتي يمكن أن نُلخِّصها في عوامل ثلاثة:

أولاً: كون السيرة النبوية مصدراً أساساً للمعرفة الدينية والتشريع الإسلامي، إلى جانب القرآن الكريم.

ثانياً: الاقتداء والتأسي بهديه ﷺ، والتخلُّق بأخلاقه، انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[2] .

ثالثاً: نفوذ المحبة للرسول الأكرم ﷺ في نفوس وقلوب المسلمين، وعشقهم لشخصيته، دافع لهذا الاهتمام بحياته وسيرته[3] .

إلَّا أن الشيخ الصفار في قراءته للسيرة النبوية والتسارع الاجتماعي نحو التغيير يرى أن هناك بعداً آخر يضاف إلى ما سبق عرضه، وهو لا يقل عنها أهمية ومكانة: «هو تحفُّز الأمة للنهوض من واقع التخلُّف ومواجهة التحدّيات الخطيرة التي فرضت نفسها على الأمة»، من خلال الاستفادة من السيرة التاريخية لرسول الأمة وهاديها؛ لأنها تمثّل أروع أنموذج في التاريخ البشري للنهوض والتغيير والتقدُّم، ومن هنا هي تستلهم من هذه السيرة خارطة الطريق، وتتلمس الخطوات لنهضتها نحو التغيير والتجديد والرقي.

وقد قسَّم الشيخ المصنف كتابه إلى أربعة فصول بعنوان (إضاءات):

الإضاءة الأولى: الأول في قائمة العظماء.

الإضاءة الثانية: معركة التغيير.

الإضاءة الثالثة: صناعة التحوُّل.

الإضاءة الرابعة: خلقٌ عظيم.

وقد أدرج تحت كل إضاءة مجموعة من النقاط المهمَّة التي تناولها بشيء من التفصيل، وقد أبرز من خلالها الشيخ الصفار رؤيته والدروس التي يمكن أن نستقيها تحت أضواء السيرة النبوية الشريفة، من خلال قراءة متأنية للمواقف والأحداث التاريخية مع أسقاطها على الواقع الاجتماعي والمتغيّرات التي يعشيها المجتمع اليوم.

ففي الإضاءة الأولى: تم استعراض عدد من النقاط المهمّة، من أهمها:

(منابع العظمة المحمدية)، وقد تناول تحت هذا البند أربع نقاط مهمَّة:

المنبع الأول: الاختيار الإلهي: النابع من الكمال الشخصية لتجمع كل عناصر الخير والصفات الحميدة في الرسول الأعظم ﷺ.

المنبع الثاني: عظمة الرسالة المحمدية: فالرسالة المحمدية هي خاتمة الرسالات وأعظمها وأكملها، فرغم وجود رسالات سابقة إلَّ أنها افتقرت لميزة التكامل والديمومة التي تمتعت به الرسالة المحمدية.

المنبع الثالث: سمو الأخلاق: فقد أدَّب النبيَّ ﷺ، ربُّه فأحسن تأديبه، فوصفه جل وعلا ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ[4] .

المنبع الرابع: الإنجاز الكبير: وقد أشار لما قاله الدكتور الأمريكي مايكل هارت حينما ألَّف كتابه سنة 1978 م، وفيه تناول المئة الأوائل في تاريخ البشرية، فكان سيد المرسلين في قمّة المجدِّدين والمؤثِّرين في التاريخ، وقد استند المؤلِّف في ترجيح النبي على سائر المؤثِّرين في التاريخ بقوله: «إن محمدًا ﷺ، كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والدنيوي»، ويضيف هارت: «لقد أسَّس ونشر محمد أحد أعظم الأديان في العالم، وأصبح أحد أبرز الزعماء السياسيين العظماء، وفي هذه الأيام وبعد مرور ثلاثة عشر قرناً تقريباً على وفاته، فإن تأثيره لا يزال قويّاً وعارماً»[5] .

ورغم قصر الكتاب فقد اختزل بين دفتيه الكثير من الأفكار والرؤى المهمة والكبيرة، الكاشفة عن سعة فكر مصنفه وكاتبه، وهنا نستعرض بعض تلك الأنظار.

ملاحظات قبل الشروع في السيرة النبوية الشريفة:

منها أن الكتابة والمطالعة في السيرة النبوية ينبغي أن تأخذ مجموعة من النقاط بعين الاعتبار:

أولاً: ضرورة القراءة المتجددة لسيرت ه: فالقراءة لسيرة النبي الأكرم ﷺ، تتجدَّد وتتغيَّر من زمنٍ إلى زمن وفق المتغيِّرات والمستجدات، والشيخ الصفار يرى من الأخطاء الكبيرة تناول السيرة المحمدية بنفس الزاوية والنظرة التي كتب بها السلف من العلماء لهذه السيرة، وإلَّ سوف نخلق بوناً شاسعاً بين معطيات هذه السيرة العطرة، وبين الحاجات والتطوّرات التي تتجدَّد كل يوم في تسارع مستمر.

ثانياً: تربية الأجيال من أبنائنا على هدية وسيرته: سيرة الرسول وهدية مليئان بالقصص والأحدث الأخلاقية والتربوية، فالعلَّمة الشيخ الصفار، يرى أن هذه القصص هي النموذج الأمثل التي ينبغي أن نُحدِّث أبناءنا عنها ونغرسها في فكرهم وأذهانهم، وينشَّؤون ويتربون على هديه وسيرته.

ثالثاً: الاقتداء بهديه والتزام رسالته: حياة النبي ﷺ وهديه، تنال استحسان وقبول لدى كل إنسان عاقل يبحث عن السمو، ولكن هذا الإعجاب يكون بلا قيمة ما لم يُترجم إلى واقع عملي وسلوك اجتماعي، فاللَّه سبحانه قال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[6] .

رابعاً: إيصال رسالته وهديه للعالم: يرى الشيخ الصفار أن الحضارة الغربية رغم تقدُّمها ونموِّها العلمي والحضاري، فإنها في المقابل تعيش نوعًا من الخواء والفراغ الروحي، ممَّا أدَّى لوقوع عمليات الانتحار الكثيرة في المجتمع الغربي، فكان الإسلام والرسالة النبوية هي الحل لملء هذا الفراغ الذي يُشعر المرء بالطمأنينة وراحت البال.

وتأتي المهمَّة على كل مسلم هي بثّ هذه السيرة إلى جميع أرجاء العالم، فالديانات اليوم في العالم رغم كثرتها لم تستطع أن تسدَّ هذه الثغرة كما صنع الإسلام على مدى أربعة عشر قرناً من الزمن.

وتحت الإضاءة نفسها أشار شيخنا الصفار، إلى البعد الأسري عن العلاقة مع الزوجة، مستمداً رؤيته من العلاقة التي ربطت النبي الأكرم بزوجته خديجة، ضارباً الأمثلة والنماذج والأسس التي قامت عليها هذه العلاقة، كما تناول العلاقة مع البنت من خلال العلاقة التي بين النبي محمد ﷺ وابنته الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام، التي تُشكِّل مضرب مثل في مدى الانسجام الرحمة والرأفة، وهو أمر تفتقر إليه العديد من البيوتات الإسلامية نتيجة ابتعادها عن السيرة النبوية وما تحمله من معانٍ كبيرة وسامية.

وهنا سوف نستعرض مجموعة من الأفكار التي تناولها الكتاب الذي هو أشبه بقراءة عصرية ورؤية تنويرية للسيرة النبوية، وأسقاطها على الكثير من الأحداث والوقائع التي يعيشها المجتمع الإسلامي اليوم من صراعات ومشاكل فكرية واجتماعية وسياسية.

الأفكار الجديدة بين التطُّلع والإحجام:

من هذه الأفكار موقف المجتمع الإسلامي من الأفكار الجديدة التي تهدف إلى التغيير والتطوير دون الاستفادة من منهج الرسالة، وقد واجه النبي الأكرم مثل هذه التحدّيات الكبيرة وذلَّلها للوصول لمرحلة التغيير الكبير في المجتمع العربي. وقد أرجعها الشيخ الصفار إلى مجموعة من العوامل التي كرَّست التخلُّف في المجتمع، وعدم القدرة على التماهي مع متطلَّبات الزمن ومستجدات الحياة، ويمكن أن نلخصها في التالي:

أولًا: موقف اللامبالاة: فالكثير من الناس لا يبالون اتجاه الأفكار الجديدة التي تطرح في مجتمعاتهم مهما كانت نوعية الفكرة والدعوة المطروحة، سواء على الصعيد الديني أو السياسي أو الاجتماعي، وقلَّ أن تجد في بداية طرح الأفكار تجاوباً وتفاعلاً؛ إذ إن أكثر الناس غير مبالين، ولا يجدون أنفسهم معنيين.

وفي السيرة النبوية العطرة نجد أن الرسول ﷺ، عندما بدأ دعوته وجد مثل هذا النوع من اللامبالاة، وعدم التجاوب، وقد رصدها القرآن الكريم، يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَ تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ[7] .

ثم المصنف يسترسل في تناول النماذج والأمثلة من السيرة النبوية وكيف جابه النبي الأكرم هذا التحدّي والمجابهة.

من العناصر المهمة التي أشار إليها في هذا الصدد وسبب في عدم تقبل الأفكار الجديدة هي:

ثانياً: حالة الاسترسال: وهي عملية عيش حالة من الإشباع والاسترسال في الموجود بما لديهم من أفكار وقناعات سابقة دون الرغبة في تغييرها.

ثم تناول رؤية جديدة وهي تمثّل واقع الحال:

ثالثاً: عدم الثقة: وعنى بها سماحة العلَّمة الصفار: «أن كثيرًا من الناس لا يسعون للانفتاح وتقبل الجديد لعدم ثقتهم بقدرتهم على مناقشتها والبحث في مدى مصداقيتها من عدمه».

وأخيراً يذكر عاملً رابعًا:

رابعًا: الخوف من الاعتراض: فالشيخ يرى أن البعض يبرر عدم تقبُّله للأفكار الجديدة، ينبع في حقيقته من الخشية لمعارضة المجتمع لهم وتصديه لأفكارهم.

طريقة التعامل مع الأتباع:

ومن الزوايا المهمَّة التي تناولها الكتاب في صفحاتها الماتعة طرق التعامل بين القائد والأتباع في المنهج الرباني وهدي الرسالة، بعد أن تعدَّدت الرؤى وتشعَّبت الأفكار بين التعامل الدكتاتوري أو القائد الأوتوقراطي (المتسلّط)، أو القائد الديمقراطي، والقيادة الشخصية، وغيرها من المدارس والاتّجاهات في التعامل بين الرئيس والمرؤوس. هنا يستعرض الشيخ الصفار -حفظه اللَّه-، ما يراه أنه المنهج النبوي اتجاه هذه النقطة الحسَّاسة، ويُلخِّصها في النقاط التالية:

أولاً: محورية القيم في مقابل الذات: وهذا بخلاف المنهج الذي تتمحور حول الذات للقائد والصنمية، فالقيادة الربانية تبتني على محورية القيم الإلهية التي يؤمن بها المؤمنون.

ثانياً: إثارة عقول الأتباع: فمع عصمة النبي ﷺ، فإنه يتعامل مع الأتباع وفق العقلية البشرية الناقصة التي تستفيد من الأتباع واستثمار تجاربهم.

وقد تناول الكاتب عددًا من المواقف النبوية من خلال النصوص القرآنية والروايات الشريفة.

ثالثاً: المواساة وعدم التَّميّز: فلم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يعيش متميّزاً عن أصحابه، بل كان يعيش كأحدهم، فقد كان يقوم احتراماً لبعض القادمين عليه، إلَّ أنه يكره قيام الناس له، لشدّة تواضعه.

رابعاً: إكرام الأتباع وليس امتهانهم: فبعض القادة إذا وجد أتباعاً يخدمونه، يمتهنهم ويتعامل معهم وكأنهم خدم له فلا يراعي مشاعرهم وأحاسيسهم، بخلاف الرؤية النبوية التي تُجل الأتباع ويشاركهم الخدمة والعمل.

خاتمة:

إن الكتاب تضمَّن الكثير من الأفكار الجميلة والجديرة بالبسط والتوسُّع فيها اختزل المصنف فيه رؤيته حول التغيير والتجديد الديني والاجتماعي، وقد ضمَّنها ثنايا الكتاب مستمداً رؤيته من المنهج النبوي الشريف، ويمكن أن نلخص الكتاب في النقاط التالية:

1- تضمن الكتاب الكثير من الأفكار التنظيرية حول مستجدات الحياة المختلفة التي تمثّل المشكل الراهن.

2- كتبه الشيخ بلغة سلسلة وبسيطة خالية من التعقيد بحيث جمع بين دفتيه العمق والبساطة في الطرح.

3- حاول الشيخ الصفار أن يُعطي تطبيقًا عمليًّا للمنهج الذي أشار له في بداية الكتاب إلى أن السيرة النبوية هي نور وهداية للسير على أثرها والاستضاءة بوهجها في مسيرتنا الحياتية، من خلال تناول مجموعة من القضايا المهمَّة والمعاصرة، سواء في التعامل مع المتغيّرات أو التطرُّف الديني، أو العلاقات الأسرية، وغيرها، وأسقاطها على المنهج التاريخي التحليلي من السيرة المطهرة للنبي الأكرم ﷺ.

4- إن الكتاب يمتاز بعنصر التجديد في طرح السيرة التاريخية لحياة الرموز الدينية من الأنبياء والأئمة المعصومين عليهم السلام، جدير بأن يستفاد منه في العديد من الكتابات التاريخية، بجعلها متحرّكة ومواكبة لتطورات الزمن.

-5 أعتقد أن الكتاب يحتاج إلى قراءة أكثر من مرة ليستفاد منه بشكل صحيح، وأقد أجاد سماحة الشيخ العلَّمة الصفار في سبك مادته واستعراض أفكاره.

-6 إن ما ذكرناه لا يمثّل جميع ما تضمَّنه الكتاب من أفكار ورؤى، وإنما تناولنا شطراً منها كعينات ونماذج تحكي واقع الكتاب وما فيه، لنعطي القارئ ملامح بسيطة عن القيمة لهذا الكتاب الثمين في محتواه وفكره.

[1]  إضاءات من السيرة النبوية: 9.
[2]  سورة الأحزاب: 21.
[3]  إضاءات من السيرة النبوية، بتصرف: 12.
[4]  القلم: 4.
[5]  إضاءات من السيرة النبوية: 22.
[6]  سورة آل عمران: 132.
[7]  سورة فصلت: 26 .