آخر تحديث: 21 / 7 / 2024م - 6:06 م

متى يبكي القارئ

يوسف أحمد الحسن *

إن من دواعي سعادة الكتّاب أن يتمكنوا من كسب تفاعل القراء مع كتاباته، وأن يستخرجوا منهم أكثر المشاعر دقة وحساسية؛ وهو البكاء، الذي يعد أعلى مراتب التفاعل مع الكتابة، إذا ما أضفنا إليه مراتب أخرى، كالتماهي مع ما يرد فيها والاستغراق في القراءة ونسيان واجبات أخرى كالأكل والنوم والعمل وغيرها.

فالبكاء حالة خاصة تلامس أكثر المناطق خصوصية في سويداء القلب، متقاطعاً مع بعض دهاليز النفس البشرية، مشكّلاً تأثيراً تراكمياً يبدأ بالقراءة، ثم باستيعاب ما هو مكتوب، ليحصل نوع من التمازج والتماهي معه، وقد يحصل هنا نوع من المقاومة أو الإنكار للمادة المقروءة إلى مدة ما، تنتهي بحالة الانفجار على شكل بكاء.

كما يُعد البكاء نوعاً من التنفيس عن احتقان داخلي لتراكمات كثيرة وممتدة من الحزن أو المشاعر الحزينة مدداً طويلة «البكاء صابون القلوب»، أو كما قيل:

لعل انحدار الدمع يُعقب راحة

من الوجد أو يشفي شجي البلابل

أو كما قيل:

هو ماء الدموع يخمد ناراً

من جوى الحب أو يبل غليلا

ومن الموضوعات التي تسبب البكاء لبعض القراء في المادة المقروءة الموت، الذي يُعدُّ قمة المحزنات لدى القارئ، لكن بشرط أن يكون هذا الميت ارتبط مع القارئ بأحداث مهمة في رواية ما مثلاً. وهناك جوانب أخرى قد تتسبب في البكاء للقارئ؛ كحالة الفراق بين حبيبين أو صديقين، أو خسارة كبيرة من نوع ما، وهو ما يحصل غالباً في بعض الروايات التي تلامس مشاعر القراء، أو المقالات التي تعبر وتنطق عن مكنونات نفسياتهم، عندما تتحدث عن حدث يهمهم وتكون صياغته بشكل احترافي ومتقن.

وتختلف ردة الفعل تجاه ما هو مكتوب من شخص إلى آخر، فقد يراه بعضهم عادياً، في حين يراه آخرون مثيراً جداً وباعثاً على التأثر، وربما البكاء والنحيب، وما بين الإثنين هناك من يشعر بمشاعر بين هذا وذاك، وكل هذا يأتي اعتماداً على أمور عدة، منها الخلفية الثقافية والفكرية للقارئ، والحالة النفسية التي يمر بها أثناء القراءة، فقد يبكيه نص ما الآن، لكنه ما كان ليبكي لو قرأه أمس أو في ظروف أخرى. وقد يبكي القارئ لما لاحظه من تطابق بين حاله وما هو مكتوب «إذا كان النص حزيناً»، أو تناقض بينهما «إذا كان بهيجاً وسعيداُ»، وقد يبكي نتيجة تراكمات لحالة نفسية طويلة الأمد، وقد يبكي تفاعلاً مع مشكلات أو مصائب الآخرين، وهو أسمى وأجل مراحل التفاعل.

ويحصل البكاء كذلك حين ينجح الكاتب في إيجاد علاقة ما بين القارئ والشخصية في رواية ما، ثم تأتي أحداث صادمة أو خلاف المتوقع. وقد يحصل البكاء أحياناً لأمر لا علاقة له بما يقرأ؛ وإنما بالحالة النفسية للقارئ.

وقد أورد موقع «www.nzbooklovers.co.nz» قائمة بأكثر الكتب التي جعلت القرّاء يبكون، نقلاً عن موقع «غود ريدز الشهير»، كان أولها رواية هاري بوتر ومقدسات الموت «Harry Potter and the Deathly Hallows»، كما جاء فيها كتب مثل «My Sister’s Keeper»، وسارقة الكتب، ومشية للذكرى «A Walk to Remember». وهي أمثلة قد لا تنطبق بالضرورة على قراء العربية.

ويبقى الحديث هنا حول منطقية البكاء حين يستنكف منه بعضهم، في حين يراه آخرون مقبولاً، والحال أنه لا يختلف عن مواقف البكاء عند سماع حدث محزن في حياتنا اليومية. لذا لا ينبغي أن نخجل أبداً من البكاء أثناء القراءة، فهي حالة فردية تخص القارئ وحده وتلامس منطقة عاطفية خاصة لديه ولا علاقة للآخرين بها.

• إن الدموع مطافئ الحزن الكبير

• الدموع هي آلية دفاعية فطرية للتعافي.