آخر تحديث: 24 / 7 / 2024م - 8:03 م

الحق الإلهي والحقوق المتعددة

حسين أحمد بزبوز *

حقك وحقي وحق الجماعة وحق الله، تلك المعادلة التي لا يخرج منها الإنسان إذا ابتلي بضيق الأفق إلا وقد تداخل لديه الحق بالباطل، ففقد البوصلة التي توجهه نحو العدالة، فالحقيقة هنا أمام العقول الضيقة يستحيل أن تكون إلا مواربة، فهي في الواقع حتى أمام أقوى العقول النيرة قد لا تكون إلا كذلك.

إن من الأمور الواضحة، أن من حقك أن تعيش ومن حقي أن أعيش، ومن حقك أن تفكر ومن حقي أن أفكر أيضاً، كما أن من حقك أن تأكل وأن تشرب وأن لا يمنع عنك أحدٌ الهواء الذي تتنفسه... مثل ما أن ذلك من حقي أنا أيضاً.

تلك الحقوق واضحة جلية لا يمكن لعاقلٍ إنكارها، خصوصاً عندما نتخيل أنفسنا كأفراد معزولين نعيش بمفردنا في ظل خيرات الأرض على كوكب مهجور لا يسكنه غيرنا من البشر.

لكن تلك الحقوق جميعها في حقيقتها حقائق نسبية عندما ننزل إلى أرض الواقع، أرض التعارضات، أرض كثرة الحقوق والمصالح وأصحابها وتناقض وتعارض مصالحهم.

لو نزلت من الجنة إلى الأرض لتعيش بمفردك، فوجدت غابات النخيل، ثم خفت التصحر والمجاعة وأخطارها، وخشيت الموت جوعاً، فقمت بقطف الرطب وكنزه تموراً خاصة بك تحافظ بها على حياتك لسنوات... من موت محتوم عند تعرضك لمجاعة محتملة... فسيكون ذلك حقاً من حقوقك.

لكن على كوكب يسكنه الملايين، قد لا يحق لك الإحتفاظ إلا بحفنةٍ من التمر قد لا تبقيك إلا أياماً معدودات وإن كانت غابات النخيل لا تخضع لملكية أحد... فلم تقلص حقك في الملكية والبقاء هنا؟!.

من الواضح أن الحقوق الفردية هنا، وهي: حقك في الحياة، وحقك في الطعام، وحقك في التملك بوضع اليد، مما لا خلاف فيه، لكن الحق عندما يتعدد يتبدد، أو يتغير ويتنوع طوعاً بلا شك، فلماذا؟!.

في المثال السابق أصبح لدينا ملايين البشر، جميعهم يمتلكون نفس الحق، ولأن إحتفاظك بحقك يضر بالآخرين وهم من جنسك ويحملون نفس الحقوق، لذا تبدد حقك، وتمت إعادة صياغته أو توليد حق جديد بديلٍ عنه.

حسناً، نعرف جميعاً أن المصلحة العامة حاكمة على المصلحة الخاصة، وأن حق الجماعة في ظلها أعلى من حق الفرد، لذا لا يمكن أن ينقض حق الفرد المصالح العامة وهذا هو السر هنا في تبدد أو تبدل وتحول حق الفرد. لكن من باب التوسع في التأمل، والتعمق في المسألة، فهل يمكن أن ينقض حق الفرد حق الجماعة؟!.

قد تبدو الإجابة للوهلة الأولى بشكل بديهي: «لا، يستحيل ذلك»، لكن ماذا لو جئنا بمثال تكون فيه المصلحة العامة هي المصلحة الفردية لا مصلحة الغالبية أو الجماعة، فهل سيدمر حق الفرد حق الجماعة حينها، فيصبح هو الحق الذي يجب حفظه عقلاً ومنطقاً؟!.

تصور أن الفرد في المثال السابق عبقري ذكي قوي قادر على التكاثر، وتشاطره تلك الصفات أنثى تحمل نفس تلك الصفات، أما بقية البشر فهم بسبب مشاكل جينية معتوهين مشوهين مرضى وعقيمين وفي أحسن حالات قدراتهم على التكاثر لن يلدوا إلا المرضى والمجانين، فإذا إستطاع الفرد الفريد من نوعه هو وتلك الأنثى المشار إليها سابقاً الإحتفاظ بحق البقاء وحق الغذاء وحق التملك عبر وضع اليد على الملك المشاع، فهل يقف العقل حينها مع الحق الفردي أم مع حق الجماعة، مع أن المصلحة العامة للبشرية حينها تكمن في هذا الحق الفردي لهذين الفردين في المثال هنا؟.

أعتقد أن الإجابة واضحة هنا، فالمصلحة العامة للنوع أهم من المصلحة الخاصة لفرد من نفس النوع، وهنا تعارضت المصلحة العامة المتمثلة في بقاء النوع مع حق الجماعة، فلم تكتسب الجماعة حق البقاء عقلياً كما كسبه الفرد.

هنا نرى أن أمامنا حقوق تتعدد وتتعارك ويتغلب بعضها على البعض الآخر، فكل فرد له حقوق لا ينكرها عاقل، فمن حق كل فرد أن يعيش حراً طليقاً يجوب الكرة الأرضية دون قيد يقيد حريته الشخصية في أي كوكب لا دولة فيه ولا صياغة لدولة، لكن إذا كان هذا الفرد مصاباً بمرض وبائي خطير، جاز التعدي على حقه وتقييد هذا الحق، بحبسه ومنعه من التنقل كي لا ينشر الوباء.

إذاً الأفراد يملكون حقوقاً واسعة، بمجرد أن تتصادم يبدأ تقسيم الكعكة، فتتقلص الحقوق الفردية، ومن مشاركة الحياة مع الآخرين يتولد حق الجماعة وهو أعلى من حق الفرد، فمن حق الجماعة أن تشكل دولة وفق قناعات الجماعة وإن لم تقنع ولم تعجب الفرد، وليس من حق الفرد أن يشكل دولة وفق قناعاته وميوله وأهوائه التي تخالف الجماعة، لكن حتى كلامنا الأخير هذا يخلوا من الدقة التامة، فالمصلحة العامة حاضرة أحياناً، فإذا آمن الفرد أن ما تقوم به الجماعة مدمر للجميع، فقد يوسع الفرد حقه فيستبد الفرد بالجماعة لإصلاحها ومنع الكارثة، وهذا الفعل عقلاني منطقي ينطلق من قيمة عليا وهي المصلحة العامة، لكن البشر لا يقرون هذا في حياتهم، لأن إقراره يولد تهديداً خطيراً للمصلحة العامة للبشرية جمعاء، يقولون ”أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله“، وهذا معيار يتسالم البشر على دقته المفرطة، فغالباً يستحيل أن تتفق الجماعة على ما هو مضر ومدمر، لكن هذا بالتأكيد ليس مستحيلاً وغير ممكن، فالواقع أن الجماعة أيضاً تقع في أخطاء فادحة، لكن السماح للأفراد هو خطر أكبر، وفوق هذا فالجماعة تملك قوة منع وردع ضخمة تسمح بسريان منطق الجماعة على منطق الفرد وإن كان أحياناً أصلح.

إن تعقيدات مسألة الحق المتعدد لا تقف عند الفرد والجماعة والمصالح العامة وحدودها فحسب، فحق الله هو أيضاً بعد آخر مؤثر وحاضر بقوة في الحياة البشرية، وهذا الحق هو مصدر إلتباسات كثيرة عند كثير من البشر، خصوصاً أن هذا الحق هو أعلى مصدر تفسير للحقوق عند المؤمنين به، فما بلك بقيمة هذا الحق عندما تؤمن به الجماعة، ثم ما أثر هذا الحق حين تؤمن تلك الجماعة أنه يمكن أن يختزل في فرد واحدٍ من البشر أو في أفراد معدودين؟.

نعود لصاحبنا الذي عاش وسط غابات النخيل على كوكب الأرض وحيداً، فكان من حقه أن يتنفس وأن يأكل وأن يشرب وأن يجوب هذا الكوكب، هذا الفرد لو كان ملحداً فسيكون من حقه أن يلعن الطبيعة والصدفة التي أوجدته وحيداً على هذا الكوكب، فلا يوجد حق يقيد حقه في ذلك. أما إن كان مؤمناً بالله سبحانه، فحق الله عليه سيقيد حقوقه، فلن يحق له أن يلعن الكون لأن الخالق صاحب الحق الأعلى يمنع ذلك وحقه في الدائرة الأعظم، بل يلغي كل حقوقه، ولن يكون من حقه أن يأكل في نهار رمضان... وهكذا.

هكذا تم تقييد حق الفرد بحق أعلى هو حق الله سبحانه، والإله حتى لو كان من آلهة اليونان سيكون حقه أعلى من حق الفرد ومقيد له عند صاحب هذه العقيدة وهذا الإيمان.

لكن، لو كان هذا الفرد ولنسمه ”زيداً“ هنا، مؤمناً بعقيدة ما، وفي كوكب الأرض ملايين البشر غير زيدٍ، يؤمنون بخلاف ما يومن به، فهل سيحق لزيدٍ أن يقيد حقوقهم فقط لأن إلهه قيمة عليا عنده، وحقه عنده أعلى من كل حق آخر؟.

أتوقع أن نجمع جميعاً على أن زيد بسبب اعتقاده الخاص، لا يمكنه تقييد البقية بحق إله آمن به هو. لكن، ماذا لو كان هذا الإله حقيقياً، وزيد آمن به، بينما لم تؤمن البقية بهذا الإله الحقيقي الذي يبصره زيد، فهل يتساقط حق بقية الأفراد أمام حق هذا الإله، مع أن هؤلاء الأفراد، لا يؤمنون بهذا الإله، ولا يرون حقيقة وجوده؟ وهل يسقط حق الجماعة؟ وهل يسقط أيضاً، الحق المتولد من المصالح العامة، المتولدة من عقل الجماعة؟!.

ثم ماذا عن الدول الديمقراطية، التي يعيش فيها أقلية من الجماعات الدينية، كالمسلمين في أمريكا، مثلاً؟ فهل يحق لهم، أو يحق لمثلهم، كعشرة أفراد مثلاً يعيشون في بلد ديمقراطي كافر، أن يلغوا حق الجماعة في ذلك البلد؟ ليعلوا حق الله؟.

لم أسمع أن مسلماً، يؤمن بأن من حق أية جماعة مؤمنة دينياً، كعشرة أفراد ذات عقيدة ما، أن تلغي حق مجتمع مليوني بأكمله، بحيث يمكن أن يقبل الفرد أن ينطبق ذلك ضد توجهاته العقدية والدينية. لكنني أعتقد أن هناك من يؤمن أن من حق الفرد المسلم أن يلغي حق الجماعة الكافرة لو استطاع، وأعتقد أن عذره الوحيد في عدم التطبيق، هو تعذر ذلك على الفرد المسلم في ظروف وملابسات الواقع، ليس إلا.

هنا يظهر أن حق الإله، هو أكثر من أن يكون حقاً هامشياً، أو حقاً أقل قيمة من بقية الحقوق، فهو الحق الأعلى عند الكثيرين، إن لم يكن عند جميع المسلمين، لذا بمجرد أن تختلف دينياً، سيسهل أن تبطل حقوقك، دون وجود مبررات أخرى غير المبرر الديني وحق الله، لذا يستحق هذا الحق منا، الكثير من البحث والتأمل.

إننا لو تأملنا كمسلمين، فيما نعرفه من ديننا «الإسلام» بشكل عام، فهل سنجد فيما نتفق عليه جميعاً، مما لا خلاف في فهمه بيننا، أن الله قد جعل الحق الأعلى هو: حق الفرد أم حق الجماعة أم المصالح العليا أم حقه سبحانه؟.

يتصور البعض أن حق الله في الإسلام هو الحق الأعلى، الذي يقع في أعلى هرم الحقوق، ولا يمكن أن يتجاوزه حق مطلقاً، لا تلك الحقوق النابعة من حقوق الناس كأفراد، ولا تلك النابعة من الكثرة وغلبة الجماعة، ولا تلك النابعة من الفهم البشري للمصالح العامة، لكن ذلك غير صحيح بتاتاً.

إن حق الله على جميع خلقه هي طاعته وعبادته، ويحرم عليهم الشرك به أو مخالفة عبادته، بل إن الشرك ظلم عظيم ليس كمثله ظلم، ومن ناحية أخرى هناك حق فردي هو حق حرية الإعتقاد والعبادة، والله سبحانه صاحب الحق الأعلى، لكننا لا نجد في صريح تعاليمه سبحانه: إلغاء حقوق الأفراد ولا حقوق الجماعات ولا الحق المتولد من المصالح العليا، كل ما في الأمر مواضع إلتباس ومواضع جدل محدودة.

فالله سبحانه لا يوجب فرض دينه على الأقليات غير المسلمة التي تعيش في أوساط المسلمين، ولا يأمر بإجبار الفرد ولا الجماعات غير المسلمة لا في المجتمع المسلم ولا في غيره من المجتمعات بأداء الصلاة ولا الحج ولا الصوم... الخ بالإكراه، تحقيقاً للحق الإلهي الأعلى.

بل يجيز سبحانه لهم أداء عباداتهم والإحتفاظ بمعتقداتهم، رغم أنها مناقضة لحقه عليهم وهو الحق الأعلى، فلم لا يلغي الحق الأعلى «لله سبحانه» تلك الحقوق الأدنى والأضيق؟.

هذا يكشف لنا، أن الحق الإلهي الأعلى، الذي يتبنى بعض المسلمين الدفاع عنه وإرضاخ الناس له قهراً، إنما هو حق مرن أكثر طواعية ومرونة من عقول عباده ومن تفكيرهم الضيق، فالأصل في حقه سبحانه أن يكون طواعية، إلا ما خرج باستثناء أكيد لا يمكن الخلاف فيه أو حوله.

بل إن حق الله سبحانه، لا يتعارض مع المصالح العليا ولا المصالح العامة ولا مصالح الأفراد إذا تعارض تعارضاً ظاهرياً معها، فالإسلام له قيم جوهرية، أعمق من مظاهره الطقوسية، فإذا تعارضت عبادة مع ضرر أو خطر، فالعبادة التي هي حق الله تلغى أو تؤجل، رغم أن حق الله أعلى دائماً، ورغم أن الفهم البشري وتشخيصهم للمصالح قد يضيق عن إدراك الحكمة الإلهية لله في أوامره ونواهيه وطقوس عباداته، لكن الله يلزمنا بالعقلانية، ويفرض التحاكم لعقولنا، وإن حكمت بتوسيع حق فردي، وتضييق حق إلهي، ظاهراً طبعاً لا جوهراً.

إن ما لا يدركه الكثيرون، هو أن حق الله الأعلى، ليس حقاً معارضاً لبقية الحقوق، ينزل من الأعلى ليتصارع معها، بل هو حقٌ يصعد معها من الأسفل ليوائم بينها، حفظاً لبقية الحقوق من التعارض والتناقض، فنحن نصلي لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أي أننا في ظل الله ومن خلال عبادته نحقق الإنسجام بين حقوقنا الفردية وحق الجماعة والمصالح العليا لنصل إليه... فنصل لما وعدنا وهي جنته التي عرضها السماوات والأرض.

لاحظ هنا أننا حين نختلف في إجتهاداتنا الفقهية في مسألة ما داخل مذهب إسلامي ما، فإننا نتسامح، عملاً بأصل التوازن وحفظ المواءمة بين حقوق الأفراد وحق الجماعة والمصالح العليا وحق الله، فنقبل كل أشكال التعبد ضمن أطر الإجتهاد المتاحة.

البعض يتصور حق الله سبحانه حقاً أعلى بحيث يكون حقاً مناقضاً لبقية الحقوق، لذا تجده داخل مذهبه وخارجه ومع المسلم والكافر، حاد الطباع صدامياً، مؤمناً أن الحق الإلهي يجب أن يقدم على كل شيء، وأن يفرض بالقوة، فيرفض حتى الإختلافات البسيطة داخل المذهب الواحد، فيفجر حولها صراعات مرة، دون إدراك منه لمناقضة ذلك الجلية لتعاليم الدين السمحة المرنة الواضحة وكثير مما يتبناه ولا يمكنه تجاوزه، مما يتيح للحقوق أن تتشكل وفق حقوق الناس الفردية وحق الأكثرية وتقييمها لمصالحها العليا، كما في حق الكفار في بلادهم أن يقيموا حكومات ديمقراطية، تشريعاتها تشريعات غير دينية، وغير واقعة تحت مظلة حق الله العليا.

إننا في هذا العالم نعيش واقعاً حقوقاً متنوعة، لا حقاً واحداً، والحقائق نسبية، وحق الله في ظل هذا التنوع حق مرن، يتحقق إذا حققنا الإنسجام بين الدين وبقية الحقوق المتنوعة.

كاتب سعودي «القطيف»