أيامٌ معدوداتٌ: تأملات في الزمن والإنسان
الزمنُ ليس مجردَ تعاقبٍ للّيلِ والنّهارِ، بل هو نسيجٌ محبوكٌ بعُمقِ الإدراكِ الإنسانيّ، وأثرُه يتجلّى في كيفيّةِ تفاعلِ الفردِ مع هذه الحِقبةِ المعلومةِ التي تُسمّى: «أيامًا معدودات».
هذه العبارةُ القرآنيّةُ، المُنزلَةُ بلسانٍ عربيٍّ مُبين، جاءت في سياقِ الحديثِ عن شهرِ رمضانَ، ذاك الشهرِ الذي اختُصّ بسياجٍ زمنيٍّ محكومٍ بأيامٍ تُعدُّ على الأصابع. وإن كان ظاهرُ المعنى يختصرُ المدةَ، فإنّ فحواه أعمقُ وأجلُّ في دلالاته النفسيةِ والاجتماعيةِ والقيميةِ.
حين يُوصفُ الزمنُ بأنّه ”معدود“، فإنّ هذا الوصفَ يحملُ في طيّاتهِ معانيَ النُّدرةِ والثّمنِ والقيمةِ. المعدوداتُ ليست كالمطلقاتِ في الزمنِ؛ بل هي لحظاتٌ تُحسبُ بعنايةٍ، وكأنّها نفائسُ تُرصَدُ في كنزٍ ثمين. هذه الأيامُ ليست كسائرِ الأيامِ العابرةِ؛ بل هي لحظاتٌ تتكثّفُ فيها المعاني وتتحولُ إلى محطاتٍ مصيريةٍ تتجلى فيها إنسانيةُ المرءِ.
إنّ إدراكَ أنّ الأيامَ معدودةٌ يبعثُ في النفسِ إحساسًا مزدوجًا بين القلقِ على الوقتِ والحرصِ على استثماره. هذا الإحساسُ يُرسي في النفسِ مبدأ التقديرِ لما تملكهُ اللحظةُ الواحدةُ من أثرٍ ممتدٍّ في الحياة. وهنا تُستثارُ نزعةُ الإنسانِ الفطريةُ نحوَ العملِ والإنتاجِ والإحسانِ، فيهرعُ إلى تزكيةِ نفسهِ وأخلاقهِ وسلوكِهِ، حرصًا على اغتنامِ الفرصةِ قبل أن تنقضيَ تلك الأيامُ المعدودة.
أما في الجانب الاجتماعيّ، فإنّ وصفَ شهر رمضانَ بأنهُ ”أيامٌ معدودات“ يولّدُ في المجتمعِ طاقةً جماعيةً تتجلّى في التضامنِ والتراحمِ والتواصلِ بين الأفراد. فالناسُ يدركون أنّ هذا الموسمَ زمنٌ مُقدّرٌ لا يُستدركُ بعدَ انقضائِه، فتتوحّدُ القلوبُ في التسابقِ إلى الخيرِ، وكأنّ الزمنَ قد أصبحَ جسدًا واحدًا تَسري فيهِ شرايينُ العطاءِ والمودّة.
إنّ مفهومَ ”أيامٍ معدودات“ يُلهمُ الإنسانَ أن يتحرّرَ من نزعةِ التسويفِ، ويُوجّهُ فكرَهُ نحوَ التخطيطِ والعملِ الدؤوبِ. إنه وعيٌ يُذيبُ الوهمَ الذي يجعلُ العمرَ يبدو وكأنّهُ ممتدٌّ بلا نهاية. ومن هنا تتعزّزُ في الإنسانِ قيمُ الانضباطِ الذاتيِّ، والتوازنِ بين الروحِ والجسدِ، والحرصِ على استثمارِ كلِّ لحظةٍ بعملٍ ذي قيمةٍ وأثرٍ.
حينما وصفَ القرآنُ الكريمُ رمضانَ بأنهُ ”أيامٌ معدودات“، لم يكن ذلك وصفًا للتخفيفِ فقط، بل هو إشارةٌ بليغةٌ إلى أنّ هذه الأيامَ رغمَ قِصرِها تحملُ في طيّاتها من المعاني والفرصِ ما يعادلُ أزمنةً طويلةً من السعيِ والعطاءِ والتزكيةِ. إنّ المعدوداتِ هنا ليست مجردَ تحديدٍ زمانيٍّ، بل هي دعوةٌ إلى جعلِ كلِّ يومٍ منها موسماً مُفردًا زاخرًا بالعملِ والبذلِ.
في الثقافةِ الشعبيّة، تتجلى فكرةُ ”أيام معدودات“ في الأمثالِ والحِكَمِ التي تُحفّزُ على اغتنامِ الفرصةِ وعدم إهدارِ الوقتِ. تُقالُ عباراتٌ ك ”الدنيا أيامٌ معدودات“ تذكيرًا بأنّ العمرَ مهما امتدّ فهو محدودٌ، وأنّ النجاحَ مرهونٌ بحُسنِ استثمارِ اللحظةِ.
كما أنّ المجتمعاتِ الشعبيّةَ تتعاطى مع شهر رمضانَ بوصفهِ موسماً يُشبهُ ”المزادَ الأخيرَ“، حيث يتسابقُ الناسُ على فعلِ الخيراتِ خشيةَ أن تفوتَهم لحظةٌ قد تغيّرُ مجرى حياتِهم.
إنّ استثمارَ هذه الأيامِ يتطلّبُ بصيرةً نافذةً وإرادةً واعيةً، فالعاقلُ يجعلُ من كلِّ يومٍ منها مشروعًا جديدًا، ويُدوّنُ في سجلِّ يومِهِ عملًا طيبًا يُحسّنُ أخلاقَهُ، ويُعمّقُ صِلاتِه، ويُرسي أثرًا في واقعِهِ.
إنّ «أيامًا معدودات» ليست وصفًا زمنيًّا مجرّدًا؛ بل هي فلسفةٌ تُذكّرُ الإنسانَ أنّ اللحظةَ الحاضرةَ هي رأسمالُهُ الأثمنُ، وأنّ العملَ فيها هو ما سيُشكّلُ أثرَهُ وميراثَهُ في الدنيا والآخرة. فهنيئًا لمن أدركَ أنّ الأيامَ المعدوداتِ ليست نقصانًا في الزمنِ، بل هي امتدادٌ في الأثرِ والخلود.