الضبط الذاتي في شهر رمضان
شهر رمضان يضم الكثير من المفاهيم والمضامين فهو ليس فقط شهر للتعبد والامتناع عن الأكل والشرب، وما إن ينتهي هذا الشهر العظيم إلا ورجعنا لما كنا عليه سابقا بل هو دورة تدريبية يتعلم فيها الصائم ضبط نفسه أمام المغريات،
ولو تفكرنا قليلا في عظمة هذا الشهر ومضامينه وأهدافه لوجدنا أنه من أجلى وأوضح المصاديق التي يجب تحقيقها في هذا الشهر العظيم هو الانضباط الذاتي للنفس.
نتفكر قليلا في هذه العبادة العظيمة «عبادة الصوم» وما الهدف منه؟
عندما نصوم نحن نتقرب إلى الله ونتزود بالطاعات من أجل ترميم علاقتنا بالله عز وجل وإصلاحها؛ لنتجاوز العقبات والعراقيل التي تعيق قربنا من الله كأوجه التقصير والخطايا التي تبعدنا عن ساحة الرحمة الإلهية.
من خلال الصيام نحصل على فرصة للتغيير وفرصة للابتعاد عن ملذات الدنيا التي تجرنا نحو المعاصي وتبعدنا عن ساحة القرب الإلهي، وبعدها نجدد العهد مع الله على ضبط النفس لتجنب الانزلاق إلى الذنوب، والسعي لتحقيق حياة طيبة برضى الله عنا من خلال السعي الحثيث في مضمار العمل الصالح.
وأكبر درس نتعلمه من شهر رمضان كما ذكرنا الانضباط الذاتي فمع الإمساك عن الطعام والشراب يعيش حالة من النزاع بين شهواته وخوفه من الله في اقتراف الذنب، ويجاهد نفسه في التغلب على إغراء الشيطان وإغراء أهواء النفس الأمارة بالسوء، وهنا يحقق الهدف الأول من الصيام وهو ضبط إيقاع النفس على الخوف من الله تعالى وتأنيب الضمير الواعي، وهذا الانضباط لا يكون فقط مع مجاهدة النفس بالامتناع عن الأكل والشرب فهذا شيء بسيط أمام الانضباط الحقيقي والوقوف بوجه الشيطان الأكبر، وهو هذه النفس الضعيفة التي تقف عاجزة أمام مغريات الدنيا، فإذا استطاع أن يضبط نفسه ويجاهدها ويمنعها من اقتراف المعاصي، فمهما حاول الشيطان أن يغريه ويقدم له من عروض ومغريات ليقع في شباكه وهو قد حصّن نفسه ودربها على المقاومة والوقوف بوجه الشيطان، خرج من هذا الشهر الكريم غانما قد استحقّ غفران الذنوب ليبدأ نقيا طاهرا كمن هو مولود جديد لا ذنب له.
وبعد الشهر العظيم يدخل مرحلة الامتحان الأكبر وهو المدوامة على الطاعة ولزوم فروضه وقرباته أمام الله عز وجل، ويضبط نفسه في مجانبة الحرام مهما حصل له من مثيرات تنحدر بالنفس نحو الباطل، فهناك حاجز منيع قد بناه ليقف خلفه متدرعا بالصبر والجهاد كي لا يعود لسابق عهده مع المعاصي، وبذا يكون قد حقق أسمى هدف من الصيام وهو الحصول على ملكة الانضباط الذاتي.