آخر تحديث: 3 / 4 / 2025م - 6:50 م

شهر رمضان والهدفية

الصوم في شهر رمضان فعل محفّز يحمل عمقا من الأهداف والغايات المرجو تحقيقها مع بلوغ النهاية في هذا المضمار؛ ليعلّمنا مبدأ الهدفية ورسم النتائج والآثار لأي خطوة نخطوها أو فكرة تشعل فكرنا، فهذه الحياة تسير وفق عقارب العمل الحثيث وبذل المجهود في طريق تحقيق الآمال، وأما حياة التيه والضياع وقضاء الأوقات عبثا ودون أن يحركنا هدف معين نتقدم لتحقيقه، يسهم بالتأكيد في طريق الإخفاق وتحطيم القدرات والتخلي عن تاج العقل الرشيد الذي يرصد تحركاتنا ومواقفنا وتعاملنا، والواقع - أيا كان حاله من السوء أو التأزم - لا يتغيّر لوحده نحو السهولة والانبساط، بل حياة الإنسان ذات قيمة بسبب أن وجودنا يذلل العقبات ويغير الواقع نحو حال أفضل لما نقوم به من جهود وخطوات عملية، وهذا ما يحدد معنى الهدفية في الحياة ويخرجها من تصور قاصر يشير إلى أنها الرغبات الساكنة في نفوسنا وتلك الآمال التي تداعب مشاعرنا، بل الهدفية تنشأ من الدوافع والمحركات القوية في النفس لإثبات الوجود وتحقيق المكانة اللائقة، والتي يكون من نتائجها التقدم والتطوير والإنتاجية على مستوى قدرات الفرد، وبالتأكيد سينعكس ذلك على ازدهار المجتمع وتحليه بأفراد منتجين.

والصوم في شهر رمضان بالتأكيد هو التزام بالأمر الإلهي، ولكن له غايات يكتسبها الصائم وتجلل شخصيته على المستوى الإيماني والأخلاقي والاجتماعي والفكري، فشهر رمضان يوفّر فرصة ذهبية للإنسان للوقوف أمام مرآة النفس والتدقيق في الاتجاه الذي نسير عليه ومعرفة نقاط الضعف والخطأ والتقصير لتصحيحها، وكذلك على المستوى الإيماني وتلك المضامين العبادية المرجو تحقيقها في نهاية هذه الدورة التدريبية والتهذيبية للنفس، يقظة روحية وتقوية للضمير وأنس بذكر الله تعالى واستقامة على الحق والفضيلة واستعداد ليوم الحساب، وأما على المستوى الأخلاقي واكتساب الصفات الجميلة فهذا شهر رمضان ينبوع ينهل منه الصائم فكرة ضبط النفس أمام الرغبات والمغريات والمحافظة على الهدوء الانفعالي أمام الاستفزازات والضغوط الحياتية، وفي الجانب الاجتماعي والتعامل مع الآخرين وفق المعادلة الذهبية القائمة على الاحترام وتقدير الغير دون تجاوز أو اقتحام للخصوصيات والأسرار، أليست كلها مجموعة من الأهداف والغايات التي يسعى الصائم للتحلي بها وتحقيقها وجني الثمار منها؟!

التوازن الإيماني والفكري والنفسي غاية كبرى تعطي للفرد معنى وقيمة حقيقية، ويبدأ المشوار في شهر رمضان من بداية القدرة الضبطية وتحمل المسئولية، فالصوم ليس مجرد إمساك عن الأكل والشرب بل هو عملية ضبط ذاتي وتحكم عقلي أمام المغريات ومواطن الزلل والتردي الأخلاقي، كما أن مكاشفة النفس بنقاط ضعفها وموارد الأخطاء التي يرتكبها سيعزز ذلك من اقتداره وتخليه عن المعايب والعادات السلبية، وحينها يصبح لأيامنا قيمة من خلال السعي الهادف والتحرك الموزون للرقي والسمو في عالم الاقتدار والهمة العالية، وهذا ما ينعكس على مجمل حياته حيث يمتلك وعيا ونضجا في فهم الأمور والمواقف، ومن ثم القدرة على اتخاذ القرارات والاتجاهات المناسبة، معززا ذلك بصفة الصبر والنفس الطويل في مواجهة الصعوبات والعراقيل، وكان ذلك بفضل واحة الصوم التي استقى منها الاقتدار والحضور الواعي والفاعل بعيدا عن الفوضى واللا مبالاة.