المعادلة الجديدة للغائب الحاضر والحاضر الغائب
قبل عدة أشهر أهدى لي كتاب اسمه ”الغائب الحاضر“ أسود اللون وبه صورة لرجل بطباعة فاخرة. بدأت أسأل نفسي عدة أسئلة من أبرزها ”هل سنكون حاضرين أم غائبين عن هذه الدنيا؟!!“.
هل سوف نذكر لعدة دقائق، أو يكتب عنا عدة أسطر؟ أو لا نذكر اطلاقاً. نسأل الله العلي القدير الرحمة والمغفرة وحسن الخاتمة.
قبل شهرين كتبت مقالاً بعنوان ”الحدائق العامة في سطور“ وذكرت شخصية غائبة عن عالمنا 50 عاماً، لم أره شخصياً ولا أعلم عنه مطلقاً، فكان غائب عنا ولكنه حضر بقلمي. حضوره عبارة عن أعمال وصور مشرفة ومميزة، بالرغم من وفاته عام 1975.
قرأت قصة في غاية الروعة بإحدى الصحف الخليجية: كانت صديقتي البرازيلية ”آنا لويزا“ حزينة جداً في إحدى الأمسيات التي جمعتني بها، لأنها لن تستطيع حضور حفل تخرجها في مدينتها الأم في البرازيل، بسبب وجودها في بريطانيا لإكمال دراستها وعدم مقدرتها على السفر. وكانت تقول لي إن هذه المناسبة غالية عليها، فكل دفعة الخريجين من أصدقائها المقربين، ولم تكن ترغب أبداً في تفويت هذا الحدث المهم في حياتها. وبعد لقائنا هذا بعدة أيام رأيتها تطير فرحاً؛ لأن كل أصدقائها الخريجين كانوا يحملون بوستر لصورة لها في مسيرة التخرج، وكانت صورتها موجودة في كل صور الخريجين، يضعونها في منتصفهم ويبتسمون للكاميرا وعيونهم تمتلئ شوقاً لصديقتهم الغائبة الحاضرة. كانت هذه المبادرة الجميلة رسالة لها من أصدقائها، يقولون فيها إنها موجودة في قلوبهم وحاضرة معهم في هذا الحدث المهم، رغم المسافة الطويلة بينهم.
جميل أن تكون الغائب الحاضر وليس العكس، فالغائب ترك بصمة خلال ما أثمره بحياته ليظل مستمراً باسمه وليستفيد غيره من علمه، بل يظل عبق تميزه وبصمته مستمراً، وإن غاب صاحبه تحت سطح الأرض. لكن المؤلم والمعيب حين يكون الإنسان حاضرا، وليس له موقع من الإعراب. ليس لهم أي أثر في مجتمعاتهم، أُسَرِهِم ولا حتى أنفسهم. فتذكر أيها الإنسان، أننا نعيش حياة واحدة، والحياة قصيرة لو أخذناها بقياس من العمر الزمني، لذا لتصنع لنفسك قيمة حياتية واخدم نفسك وغيرك كي تشعر بكيانك وأهميتك ولا تصبح مهّمشاً، وكي لا تصاب أيها الحاضر الغائب بالاكتئاب المزمن الذي يخلقه الإنسان لنفسه، هناك الكثير من الأمور الجميلة بالحياة لنستغلها بجانب حكمة العقل ابتداءً من أسرتك ومحيطك المجتمعي والحياتي، وتفرض تفاعلك عليها جميعاً.