أريدُ أن أكون شُجاعًا
المسك:
ذات مرّةٍ رأيت حمارَ بيت خريدة مربوطاً في الجاري الخاص بوالدهم والذي عمل علَيه لإيصال المؤونة للمشترين من المحلات في سيهات إلى بيوتهم، أو يقوم باستئجاره للتحميل والتوصيل وما إلى ذلك، وكان الحمار والجاري على رصيف المبنى الثاني بعد عمارة الحاج أبي حسين الدبوس التي تقع بجانب عمارتنا التي فيها المنجرة، من الجهة الشرقية وبينهما الطريق الصغير المؤدّي إلى داخل ديرتنا ويوصل إلى البوابة الغربية للبيت العود بعد اجتياز بعض البيوت الأخرى للجيران في الحي، مثل بيت سيد عبد الله على اليسار، ثم بيت آخر، ثم مربط حمير بيت مِنعيد، ثم بيت السيد أحمد الموسوي، ثم بيت آخر بجانبه، ثم بيت مِنعيد ويسكن فيه أم جاسم وجاسم وناصر ومهدي، ثم بيت الحاج علي ربعان «أبو الأستاذ أحمد»، ومن جهة اليمين، بعد عمارة الدبوس يقع بيت خريدة، ثم بيت زاهر، ثم بيت محسن، ثم بيت والد الأستاذ علي ربعان وإخوته ووالدهم كان يعمل خضاراً، ثم بيت «أبو عباس - علي ربعان»، ويلاصقه من الخلف جهة الشرق البيت العود حيث البوابة الغربية.
لقد رأيت الحمار مربوطاً في الجاري على ذلك الرصيف للمبنى الذي يلي عمارة الدبوس مباشرة، وقد مررت من هذا الرصيف وأنا أتجول في شارع السوق قادماً من منجرتنا، وذاهباً إلى تلك الجهة وربما واصلت المشي إلى المخبز العصري قبل سوق الخضار والفاكهة القديم، ثم أعود، وعند عودتي جاء في خاطري أن أتمثل بشكل عملي بالشجاعة، وأن أعبر من تحت بطن الحمار ومن بين أرجله الأربع للجهة الثانية، وربما شاهدني بعض الموجودين بالقرب سواء على الرصيف أو عند الشارع مباشرة وأنا أنوي ذلك لأنني كنت في وضعية الاستعداد للعبور بسرعة من بين أرجل الحمار ومن تحت بطنه مباشرة، وبالفعل قمت بالعبور، وكأنني أقلد بعض أبطال أفلام الكرتون التي كنت أشاهدها في التلفزيون الأبيض والأسود في صالة الدور العلوي عند جدتي أم ناجي، وعندما عبرت في تلك الثواني المعدودة، وإذا بضربة قوية من إحدى القدمين الأماميّتين لهذا الحمار - غير المحترم - وكادت أن تصيبني بمقتل لولا أن سلّمني الله من هذه الضربة وشعرت بشيء من الألم على ظهري، ومن شدة خجلي هربت إلى الطريق الذي يفصل بين هذه العمارة وعمارة الدبوس، ومشيت وأنا أتألم وأضع يدي على ظهري ممن الجنب الأيمن، حتى وصلت إلى بيتنا ودخلت، والألم بادٍ على وجهي وعلى حركتي، وعندما سألتني أمي:
- ما بك يا عقيل، لم تضع يدك على ظهرك، هل وقعت؟.. أم هل تشاجرت مع بعض الصبية وضربوك؟
- لا لا يا أمي.. بكل صراحة حاولت أن أعبر تحت بطن الحمار ف «نطلني» نطلة شديدة وكاد أن يقتلني لولا أن سلمني الله.. ولكنني تألمت قليلاً.
فضحكت أمي وضحك من كان معها من أخواتي الصغار منى وابتسام.
الروائياتي:
- إنها مغامرة طريفة من مغامراتك أيها المسك، ولكنني مُعجبٌ بشجاعتك فعلاً، فأنت لم تخف من الحمار لذلك قمت بهذه الحركة الجريئة، وإن كان الموضوع ذاته مضحكًا لأنك اخترت أن تقوم بتحدّي الحمار ولم تقم بعمل آخر يستحق أن تكون شجاعاً إذا قمت به، إلا أن طفولتك صورت لك ذلك بأن تتحدّى هذا الحمار ولا تخاف منه، وأنت بهذا التصرف تذكرني بقول ”نيل جايمان“:
”إن الشجاعة لا تعني أنّك لستَ خائفًا، الشجاعة معناها أن تكون خائفًا، خائفًا جدًّا، لكنك تفعل الصواب رغم ذلك“.
وكأنك تريد استدعاء باقي الصفات الحسنة الأخرى بعد أن تحقق صفة الشجاعة في ذاتك، تماماً كما قال ونستون تشرشل:
”الشجاعة أعظم صفة في الشخص؛ لأن بقية الصفات تأتي نتاجاً لها“.
المسك:
صحيحٌ كلامك هذا، أظنني قد فعلت الصواب لأنني كنت بالفعل خائفًا مِنْ قبل مِن هذا الحمار وأيّ حمار آخر مثل حمير «بيت مِنعيد» في ”مربطِهِم“ الذي نمرّ عليه يوميًّا عندما نتوجه من البيت العود للمنجرة، ومن المنجرة للبيت العود، إلا أنني قررت أن أكسر حاجز الخوف وأقوم بهذه المغامرة الصغيرة والمضحكة، وبالفعل نجحت فيها، إلا أن الحمار كان أسرع منّي في اتخاذه قرار هذه الضربة المؤلمة نوعًا ما.
الروائياتي «يضحك».
- أظنك سعيداً أيها المسك وأنت تقصّ عليّ هذه القصة الطريفة من تجاربك في الحياة بالمرحلة الابتدائية.
المسك:
- نعم أنا سعيد جداً وأنا أقص عليك كل هذه الذكريات التي لا زالت منقوشة في جدران ذهني.
الروائياتي:
- شيء جميل، أن لا تورد هذه القصة من ضمن أحزانك على العكس مما ذكره فويدور دوستويفسكي عندما قال: ”المرء غالبًا ما يركّز على عدّ مشاكله لكنه لا يحسب أبدًا لحظات سعادته“، حيث أوردت القصة من جانبها الحزين ومن جانبها السعيد، الحزين لأن الحمار ضربك وأنت تعبر من تحت بطنه بين أقدامه الأربع، والسعيد لأنك تمثلت الشجاعة وأقدمت بالفعل على قيامك بهذا الفعل الذي أثبتَّ من خلاله شجاعتك.
المسك:
- كلامك صحيح، وأزيدك من الشعر بيتاً كما يقولون، ولأن هذا المثال الذي ذكرته لك هو مثال واحد إلا أنني بشكل مُجمل أعيش حالة من السعادة لأنني مؤمن بما كتبه الله لي، ومؤمن بالقضاء والقدر، ومؤمن بما أنا عليه في كل يوم أستيقظ فيه لأقوم بواجباتي؛ وإن كانت هي هي ذات الأعمال وذات الاهتمامات التي نقوم بها كل يوم في عمرنا تماماً كما قال الكاتب والشاعر الأمريكي تشارلز بوكوفسكي: ”كم هي هائلة وعظيمة الشجاعة التي يتطلّبها النهوض من السرير كلّ صباح لمواجهة الأشياء نفسها مراراً وتكراراً“، حتى لو كانت حالات من التأمُّل الوجودي في حارة شعبية مع الدجاج التي تربيها بعض الجارات في أحواش بيوتهنّ، أو مع الحمير التي يتّخذها بعض الكَسَبَة لجرّ العربات «الجاري» والتكسب من خلال ذلك، أو مع الأبقار التي تربيها بعض العوائل لغرض بيع الحليب واللبن على عوائل وأسر الحي الذي يسكنون فيه، أو مع مختلف أنواع الحمام التي يربيها بعض الصبية من أصدقائي وزملاء الدراسة في حي الديرة الذي أسكن فيه، وهكذا، وهذا جانب واحد، أما الجوانب الأخرى فهي الحياة الحقيقية والواقعية مع العائلة، والمدرسة، والطلاب، والجيران، والأصدقاء، وكل الناس من حولي، فأنا فرد منهم، أعيش معهم، وكلّ شخص من هؤلاء يعيش مع الجميع في حالة نسبية من التدافع الاجتماعي، فلا أنا أستغني عنهم ولا كل فرد يستغني عن الجميع، ومن هنا يتكوّن منطق الإحساس بكوني أحد أفراد المجتمع، أتفاعل مع كلّ شيء من حولي، الإنسان، الجماد، النبات، الحيوان، الأفكار، المفاهيم، العادات، التقاليد.