آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 3:54 م

لماذا لم أسحب القارئ من قصائدي؟

محمد الحرز * صحيفة اليوم

آخر رغبتي قبل خروجي من الحياة، هي اعتقال كل قارئ استوطن مدينتي الشعرية، ومن ثم طرده ونفيه.. أقول ذلك وأنا أشك كثيرا في تحقيق هذه الرغبة؛ لأني حاولت ولم أفلح في جميع محاولاتي.

في بداياتي كنت مشغولا جدا في تعمير هذه المدينة، وكان البحث عن مهندسين محترفين، ينفذون ما أرغب فيه من مشاريع حديثة، غير مكررة وبعيدة عن التقليدية يشبه البحث عن إبرة في ليل دامس فوق أرض شاسعة.

لكني لم أعدم الوسيلة، فقد جلبتُ خبراء من شتى بقاع العالم، وتعاقدت مع شركات متطورة ومتخصصة في بناء المدن الشعرية.

كانت المفاوضات والمقترحات صعبة جدا للوصول إلى تصور أو نموذج مقنع في شكل البناء وأسلوبه أو نوعية البشر المؤهلين للسكن فيها، كانت جُلّ الاقتراحات التي سمعتها تحيلني إلى نماذج مشهورة كباريس ولندن القرن التاسع عشر ونيويورك القرن العشرين، لكنني كنت أركز بالدرجة الأولى على بغداد القرن الرابع الهجري، لأن التربة والمناخ تناسب الطبيعة التي تنشدها مدينتي الشعرية.

العائق الوحيد هو تعدد النسخ وتنوعها لمدينة مثل بغداد، من فرط قدمها يصعب الانقياد خلف نموذج واحد لها، يمكن الاعتماد عليه؛ حتى يقال أن مدينتي الشعرية مبنية على الطراز البغدادي.. لذلك كان الحل الوسط والمعقول عندي هو الأخذ من كل مدينة في التاريخ ما يناسب طبيعتي، وما يناسب قناعتي، فأخذت من شعراء بغداد قصائدهم التي امتلأت بمياه دجلة والفرات وتدفقت على حقول أبياتهم، واشتريت نخيلهم جميعها حتى بدت القصائد وكأنها عارية تماما منها، وجلبت من كتب المؤرخين الصحاري والوديان والجبال والسماء بغيومها والليل بنجومه والشمس بحرارتها والريح بقصصها وأساطيرها.

ثم عرجت على مدينة باريس في النصف الأول من القرن التاسع عشر وأخذت من قصائد بودلير كل طرق باريس المضاءة، وأخذت تأملاته في الحياة السرية للمدينة وجعلت منها خريطة سرية للوصول إلى كنوز مدينتي. وتتبعت بعد العثور على مخطوطات نادرة قوافل رامبو المتجهة لليمن؛ كي اختبر قدرة الشاعر على تحمل مشاق السفر إذا ما حاول أن يطأ أرضي.

وعندما اكتمل بناء المدينة كنت قلقا على القراء الذين سوف يستوطنونها، ومحتارا كيف أمنح الامتياز لقارئ عن قارئ آخر للعيش فيها والتمتع بكل ما تعطيه من خبرات؟ لذلك أجريت اختبارا بسيطا حتى أستطيع الاختيار من بين آلاف القراء الذين تدفقوا على أبواب المدينة حتى ظننت أنهم قد تحولوا إلى جماهير غوغاء لا يصغون سوى لأنفسهم، وكان اختبارا سهلا مفاده السؤال التالي:

من رأى منكم إحدى قصائدي وهي تزرع مئة ألف نخلة في أنحاء مدينتي مرأى العين فإنني سأمنحه شرف العيش فيها؟

المفاجأة أن لا أحد تقدم كي يبرهن على رؤيته وأكثر من تقدموا كانوا يجلبون قصائد من مدن أخرى، بعد أن يغيروا وجه القصيدة ويغيروا ملابسها ويصبغوا شعرها بالأخضر القاتم ويديها يغرسوها في الرمل؛ حتى تغيب عني الحقيقة ولا أكتشف الخدعة، حاولت أن أقنع نفسي أنني أمام قراء حريصون على امتلاك فرصة العيش فيها ولست أمام جماهير تريد فقط الاستمتاع والعبث بكل ما في المدينة من تميز وتفرد.. لكن دون جدوى.

رغم ذلك قررت أن أترك الباب مواربا كي لا تخلو مدينتي من البشر، وتعشعش في أرجائها الأشباح، ثم تمرض قصائدي وتموت.