آخر تحديث: 22 / 7 / 2024م - 6:30 ص

أيهما أجمل؟

محمد العلي * مجلة اليمامة

حين تقرأ هذا العنوان، سيأخذ الخيال بيدك إلى جدلية خيالية تتحرك في وجدانك، تتبارى فيها الأقمار البشرية، والأقمار في الطبيعة، حيث يهيم شعراؤنا في آفاق التشبيه البصري، وليس في رؤاهم سوى تشبيه الجمال والصفات البشرية الأخرى بما في الطبيعة من أقمار وصفات: فالكريم كالبحر، والجميلة كالقمر، والشجاع كالأسد، والجبان كالأرنب، وهكذا حيث لا تجد أثرا لما تركته تلك الأشياء في نفس الشاعر، أي لا تجد تلك التي يسمونها: «الشعرية» تلك التي تحيل الكلام إلى شعر.

غير أني لا أقصد ما يدور في خيالك، إن ما أقصده بالسؤال هما «الماء والسراب» وأتصور أنك ستضحك؛ حتى تخاف على كبدك «أن تصدعا» من غباء هذا السؤال، وسوف تتناول أقرب حجارة إلى يدك وترجمه بها، إن لم ترجم صاحبه، كما رجم عمر بن أبي ربيعة نفسه بالأسف الحارق حين قال: «فقعدت كالمهريق فضلة مائه / في يوم هاجرة للمع سراب».

اضحك ملء رئتيك، ولكن لو تأملت قليلا، لرأيت أن الحياة نفسها قائمة على الأمل. والأمل محض سراب مالم يتحقق، وحين يتحقق يصبح كالماء، ولكن الإنسان لا يرتوي منه؛ لأن هناك في القلب آمالا أخرى لم تتحقق، ويشتد الظمأ إليها عند كل فرد يحاول تجديد ذاته.

حتى الآن لم يصل المقال إلى ما يريد قوله، فهو يحاول طرح السؤال التالي: هل ثقافتنا العامة، لا الفردية، أي ثقافتنا كأمة، قائمة على الماء/الحقيقة، أم السراب/الوهم؟ ستظن أن الإجابة على السؤال ستكون صعبة، ولكني أحيلك إلى أن تقلب بصرك في الفضائيات العربية، فإذا امتلأ بصرك منها أسألك: ما الذي وجدت؟ وسأجيب عنك: وجدت أن الحجة أم تفيدة تفسر الأحلام، وتفند آراء الكافر فرويد، ووجدت الشيخ متولي عبد الصمد المتخصص في «علوم الرقية الشرعية» يوزع صكوك الشفاء من الأمراض الجسدية والنفسية، وما لم يخطر لك في خيال. أما لو جال بصرك على الجرائد الناطقة بالعربية، فستتذكر ما قاله الشاعر العراقي بسّام الوردي: «في سفرتي سأكتب القصيدة / وأنحت الملامح النقية الجديدة / لوجهي الذي بحثت عنه دونما أثر / في صخب الجريدة»

هل لازلت تضحك؟ أنا مثلك، أستمع إلى من قال: «لا يستطيع أحد الادعاء بأنه خارج الأوهام» أي السراب، إن هذا صحيح على صعيد الفرد، أما على صعيد الأمة، فهو كارثة.

كاتب وأديب