آخر تحديث: 17 / 6 / 2024م - 11:23 ص

فساد اللسان

آلاء حسين حبيل

بينَما كُنت أتصفَح خبرًا مِن جهة رسمية مُعتمدة إعلاميًا تَصبب جَبيني عَرقًا مِن شِدة الهَمزاتِ المَبتورة والقَواعِد الجَديدة المُختَلقَة، الرَفع بَدلًا مِن النَصب والجَر بَدلًا مِن الرَفع. زوائدٌ ونواقِص تَقطعُ الوَتين، تَقرأُ المَكتوب وتحزن لِمَا تراهُ موجودًا في الواقع المَرير أكثر مِن الخبر ذاته الذي قد يكون مُحزِنًا!!

لا يُخفَى ذلِكَ أو يُنكَر أيُها القارئ، وليس فقط لا يُخفى بَل حَتى أنهُ لا يُغفر! لا يُغفر ذلِك حَتمًا في حَقِ اللُغَةِ العَربيَّة، لَطالما نَسمعُ عَبر وسائِل الإعلام عَربيَّة جَديدة، «عَربيَّة بِديبَاجَة جَديدة»، لَم نَسمع عَنها مِن قَبل ولا نَعرف قَواعدها الجديدة المَغلوطة! لا ننكر بأن هُناك ثلة مُستثنية مِن الناس ما يخرج من أفواهِهِم صحيح، يَعرفون قَدر العربيَّة فيضبطون القَواعد الصحيحة، ويَنتقون مِن مُعجَم العَربيَّة أعذب الكَلِمات وأصحَها، دون تَقعر أو خطأ، قَد يكونون غَير مُتخصصين لينتقون أكثر الكَلِمات إيصالًا في المَعنى، لَكِنهُم يَختارون ما يسعفه الوقت ليختاروه، لَكِنه في النهاية يَختار صحيح الكلام. إن تِكرار هذه الطَبائع والاستمرار عليها أمرًا مريرا، لا بُد أن يَتوقف، ففساد لِسانٍ واحد ينتج كارِثة، فَماذا إذًا بالنِسبَةِ إلى مَجموع ألسنة فاسدة! إنه يَتكاثرُ يومًا بعد يوم، وواحِدة مِن الأسباب التي تَجعل ذلِك يَتكاثرُ هي قضية «مِنَ السَلفِ إلى الخَلف»، يَنشأ الطِفلُ في بيئةٍ تَنصبُ المَرفوع، وتَرفعُ المَنصوب، فَكيف سيكون هناك تغيير أو كيف ستُولَد ألسِنَة جَديدة غير فَاسِدة! إن لِسانًا واحدًا فقط يُعدي الآخرين، يُورِثُ ضُعفٌ لهم في ألسِنتهم، يُصابون بِالمَرض والعَدوى، عَدوى تُدعَى بِ «حُمَى التَلحين»، يَصبحون يُلحِنون يَومًا بَعد يوم، ويَكسِرون في الكَلِمات،. ففي بَعض الأحيان لا تَعرف هم يَنتمون لأي بَلد حتى! مِن شِدة لفظ الكَلِمات الخاطِئة المَنطوقة، يَصبحُ اللحن أمرًا مُعتادًا عِندهُم، لا تَستغربُ مِنه الأفواه عِند سماعه، ولا تتعجبُ مِنهُ الوجوه، وتَظهرُ عليها علامات التعجُب والاستنكار عِند سَماع التَلحين، ومِن شدة كِثرة السَماع بذلك عندهُم يَظُنونه هُو الصَحيح!! لَعلّ حالَ الأمة للأسف وَصل إلى هَذا المُنحنَى الخَطير جدًا، المليء بأشواكِ الَصّبار التي حين يصطدِمُ إبهام الإنسان بِها تُطَشِرُ الدم الأحمر، فتآلِم صاحبها. إن ذَلِك مُؤسِفٌ جدًا أن تَصِل لُغتنا لِذلك المُنحنى الخَطير المَعروفة نتائجه الوَخيمَة وآثاره السَلبية. هُناكَ مَن يَهتم بِلسانه وَيسعَى لِتقويمه وتَطهيره بِمُطهِّرٍ غَليظ مِن التَلحينات والتَكسيرات، كما أنّ هُناك مَن يَضعُ النقاطَ عَلى الحُروف، ويَنطقُ نُطقًا صحيحًا سليمًا، وهُناك عينات تُحاول وتَسعى حول لغتها، لَكِن أمر فَسَاد اللِّسَان أمر لا يُمكن التَسليم بِه، لا بُدّ مِن التَفرِقَة بين المُتكلِم بِلسان عربي مُبين فَصيح وبين إتقان اللِسان وضَبطِ قواعده. قد يَجِدُ البَعض أعذارًا كثيرة لِلمُتَكلِم بالعَربيَّة لِيخرجونه مِن كَارِثَة التَلحين وفَسَاد اللِّسَان، ولَا يُغَلِطونه، وَيَنزَعون الاتهام المُلقى عَليه كإزالة الشَعرة مِن العَجين! لَكِن لن يَجِدوا أيّ عذر لِطالبٍ مُتخصِصٍ في الدِراسات العَربيَّة أو حَتى الإسلامية. إنّها والله لأزمة كبيرة حين يَقوم بِإلقاءٍ أو يَكتب مقالًا أو حَتى حين يُجيب على الأسئلة في الامتحان، نَقرأ ما يَكتبُه والجَبين يَتصبب عَرقًا مِن الأخطاء المُرتكبة والجَرائم في حَقِ لغته، ليس فَقط على المُتخَصِص أن يُتقن ويُقوِمُ اللِّسَان، بَل حَتى على غير المُتَخصِص، ولكِن العَتب الأكبر على المُتَخصِص ذاته، هُنا هو مِن المُفترَض أنّهُ يَرُدّ عَلى مَن يَخطئ، ويُصَحِح له، وَيَسعى لِلحِفَاظ على لغَته، وهَوِيَتِه وكَيانُه ورُوحه، يُعامِلها كإبنه وأُمه، يَخافُ عليهم مِن الرِيَاح الشَديدة، وَليسَ هو مَن يعصِف بها الرِيَاح وَيُغيّر مَجراها لِمَجرى عَكسي لهُ أثَر رَجعي لَيسَ بِصَالِحها!!! إنَها والله لكارِثَة أن ذَلِك باقٍ غير مُتبدل، بَل أصبح في طَورِ المُعتاد. وَبعض مِن الأسباب في ذَلِك «الاعتيادية» وعدم السعي إلى التغيير والتَبديل، عَِدم السَعي للتَّعرف على اللُغَة العَربيَّة ومَعرِفَة قَواعِدها وبَحرها الجَميل المَليء بِالخَيرات والغَني بِالمَعلُومَات الثَرية.

وعَليه، لا أملُك إلا القَول بِلِّسَان عَربيّ وَاثِق بِمَكَانَة اللُغَة العَربيَّة وباستحقَاقِها كُل الخَير وبِصلاحيَتِها لِكُلِّ زَمان وَمكان ولِكُل إنسان، إنهُ لهَيهات أن تَنقَرِض العَربيَّة حَتى مَع تَداخُل اللُغات، ولَهيهَات الإنزال مِن كُنهِهَا وَمَقَامِها، ومِن هَذهِ الآية الكَريمة أستشهِدُ بشيء لازِمٌ القِيام بِه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ، وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ . ها هُنا القُرآن الكَريم يُشير لِحِفظ القُرآن، وذَلِكَ أراهُ مِن الأسباب التي تجعل ظَاهِرة «فَسَاد اللَّسَان» تَنقَرِض فَتَتعدَّل الأحوال، يَجب حِفظ القُرآن والحِفاظ على اللَُغة وصَونِها والسَعي لِتَقويم اللِسَان والحِفَاظ عَلى رُوح العَربيَّة.