آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 1:08 م

معرقل اجتماعي عن ساحة القرب الإلهي

صوت ينادينا للالتفات لجنبة مهمة لها دور وتأثير كبير في صياغة شخصياتنا ألا وهو أدب المجالسة وأسس اختيار من تأنس بحديثهم ورؤاهم، وذلك أن المحيط الاجتماعي يلعب دورا في القيم التي تؤمن بها وكذلك السلوكيات والتصرفات الصادرة منا، ومن غير الصحيح ما يطرحه البعض من عدم المبالاة بمن يجالسهم ونفيه الشديد للتأثر بهم في أي حال من الأحوال، بسبب ما يحمله من تفكير رصين يمنعه من الخوض في الأمور المخلة أو التافهة فضلا عن الانزلاق إلى التلبس بفعلها، ويزعم بأن الشخصية الإمعية هي التي لا إرادة عند صاحبها فيتلون ويصطبغ بهوية وأفعال من يجالسهم ويتأثر بهم بينما هو يمتلك مناعة من الآفات الاجتماعية وتسربها إليه، والحقيقة الغائبة عن هؤلاء أن الأمر ليس بالصعب حتى تقدم عليه الاستدلالات بل هو أمر وجداني تشاهده بالعين المجردة من التأثر بالمحيط في تفاصيل حياتك وتصوراتك متى ما خالطت أشخاصا وغصت في أوساطهم، فعندما نقول صديق السوء فهذا مفهوم يتشكل وينضوي تحته كل فرد يمتاز بالأفعال الشريرة ولا تهدأ نفسه حتى يرى من حوله قد أصيبوا بالعدوى بالآفات الأخلاقية مثله، والمثل المشهور لتوضيح الصداقات المضرة المتمثل بصندوق التفاح ووجود تفاحة فاسدة يؤدي بعد فترة قصيرة إلى فساد الحبات كلها، يعد خير توضيح لأهمية اختيار الصديق والتدقيق في مواصفاته الخاصة، لما يكون له من تأثير كبير وملموس على أصحابه في أفكارهم وتصرفاتهم، وقد أشارت الدراسات الاجتماعية إلى أن اللحمة بين الأصدقاء تتشابه فيها البنية النفسية والتربوية بشكل كبير.

ولذا نجد التحذير من تأثير مجالس تجلب الخسارة والضياع والتغير السلبي وفقدان الهوية الرائعة والتنشئة الجميلة، فكم من شاب أو فتاة نشأ على الأخلاق الحميدة وكان الكل من حوله يشيد بتعامله الحسن مع الآخرين، وبعد فترة بدأ الناس من حوله يلمسون التغير المر والمعاملة القاسية والجافة منه، ومع تعدد عوامل التغير السلبي ولكنه بعد البحث وجد أن المجموعة المحيطة به في هذه الفترة الزمنية تحمل صفات وسلوكيات مشابهة لما يصدر منه، مما لا يتقبله المجتمع السليم وتفاجأ الأهل بهذا الظهور للانسلاخ من القيم الحسنة، وهذا التغير السلبي لا يعني نهاية الطريق وفقدان الأمل برجوعه إلى جادة الحق والفضيلة، فمتى ما احتواه الأهل والأصدقاء الخيرون والتفتوا إلى تلك الأفكار والتصورات المغلوطة والسلوكيات المعوجة عنده، وتمت مخاطبته بكل لطافة ومورست معه المجادلة الحسنة والحوار الهادئ، فإنه بالتأكيد سيلمس منه تغيرا - وإن سار بنحو بطيء ولكنه سيكون مثمرا في نهاية المطاف -، والوقاية خير من العلاج في كل أمر وبالخصوص بالنسبة للعلاقات الاجتماعية ومحيط الأصدقاء لأبنائهم وبناتهم، فمن الخطير إهمال الرعاية لهذا الجانب في شخصيات الأبناء والذي قد يسير بنحو الانحدار نحو مجموعات غير مقبولة في أفكارها ولا سلوكياتها في وقت لا يفيد معه الندم، فتلك الغمامة الدخانية والضبابية التي يحياها الشاب والفتاة بسبب أصدقاء السوء سرعان ما تزول إذا تحركت الهمة العالية والإرادة القوية للوالدين.

ومجالس السوء «البطالين» تمتد على مستوى التصورات والآمال والطموحات والتخطيطات المستقبلية، فكثيرا ما نرى الشاب والفتاة يحيا الحياة المثالية والأهداف ذات السقوف العالية بسبب ما يسمعه ويراه من أحلام وردية عند أصدقائه دون تحرك نحو تنمية القدرات واقتناص الفرص والبحث المستمر عن الحقول العلمية والمهنية المناسبة لإمكانياته، وكذلك على المستوى السلوكي والأخلاقي فهناك مجالس تبسط وتمد موائد الغيبة والافتراء والخداع وانتهاك خصوصيات الآخرين والتعدي على شخصياتهم، والأمر لا يقتصر على مجالس المشافهة والحضور بل يشمل المنصات الاجتماعية، والتي يقضي معها الفرد الكثير من وقته دون فائدة أو وعي بما ستوصله إليه من انحراف فكري أو أخلاقي.

ورد عن الإمام السجاد في دعاء أبي حمزة الثمالي: أو لعلك رأيتني آلف مجالس البطالين فبيني وبينهم خليتني!».

?