آخر تحديث: 23 / 5 / 2024م - 3:40 م

جعفر عمران: الذاهب إلى ذاته بهدوء المبدع

محمد الحرز * صحيفة اليوم

التقيته للمرة الأولى في مطالع التسعينيات الميلادية، لا أتذكر متى كان هذا اللقاء بالتحديد، وأين كان؟ جُلّ ما تجود به ذاكرتي وترسمه الآن هو أنه رجل هادئ الملامح والطباع حتى تكاد تظنه لا مرئيا، لا يتحدث كثيرا إذا ما حضر، وابتسامته أو ضحكته تضعك مباشرة أمام براءة الطفولة، وقد شعت في جميع الأرجاء، لكنّ خلف هدوئه طاقة لا تهدأ ونشاطا لا يتوقف في العمل الصحفي المتميز والكتابة الإبداعية المتألقة، أنه الصديق جعفر عمران بو حليقة. هو شخص يجبرك على حبه، إذ سرعان ما تنفتح له أبواب قلبك وتقول في سريرتك: هذا هو الصديق الذي ينبغي الإمساك به وعدم إفلات يديه مهما قست الظروف وتباعدت الخطوات.

ابن بلدة «القارة» الذي شب عن الطوق في دروبها الضيقة، وتعلم من شموخ جبلها كيف يتغلب على قساوة الحياة؟ عرف مبكرا أن الذات لا يمكن أن تتجاوز انكساراتها إلا بالانفتاح على نهر الحياة المتدفق والإصغاء إلى صخبه الثاوي في الأعماق، ولا تحقق إرادتها إلا بخوض غمار الكتابة الإبداعية التي كانت هي الرهان، وهي الحافز الذي كنا لأجله نجتمع ونتحاور لساعات طوال، يدفعنا شغف لا يهدأ أواره، ولا تنطفئ جذوته.

وكان مقهى «الرصيف» الذي يقع في المنتصف من الجهة الشرقية لشارع الثريات بالهفوف هو ملاذنا وهو مع بقية الأصدقاء المضمار الذي نترك في رحابه أحصنة أفكارنا تنطلق بلا رقيب أو حسيب، تاركين رياح الحرية تقتلعنا من الجذور إلى الفضاء الأرحب، لكن لقاءاتنا توثقت أكثر حينما كنا نلتقي في أنشطة جمعية الثقافة والفنون أيام العزيز المرحوم عبدالرحمن المريخي، وأتذكر أن أول نشاط لي في الجمعية أداره جعفر بمعية الصديق الناقد عبدالله السفر حول قصص الصديق ناصر الجاسم، ثم كرّة سبحة الأنشطة والحوارات تحت سور الجمعية الذي أتيح لنا من خلالها الالتقاء بأغلب مبدعي المملكة ومثقفيها. مثل هذا الحراك أوجد ذاكرة ثقافية واجتماعية مشتركة امتدّت سنين طويلة بين الأصدقاء الذين يرتادون هذه الأنشطة بالخصوص منهم: إبراهيم الحسين، إبراهيم الحساوي، عبدالله السفر، أحمد الملا، عبدالرحمن الحمد، صالح بو حنية بالإضافة إلى جعفر عمران.. ولا تعمل هذه الذكريات عند هؤلاء كل في مجاله، إلا على الاندفاع في العمل الثقافي، وأحسب أن أبا علي جعفر عمران منذ البدايات بجانب كتابته للشعر والقصة وكتابة الأفلام الوثائقية والسيناريو كان شغفه الآخر هو الإعلام الذي أصبح علما من أعلامه، وقد عمل محرر صحفي في عدد من الصحف كاليوم، وكان نشاطه يمتد إلى عمل ورش تدريبية للصحفيين حتى أنه أصدر عام 2018 كتاب «أنا إعلامي» وضع فيه خبرته الإعلامية للمهتمين، وكان سبقه كتاب «ذاكرة المكان» عام 2013 وهي قصص صحافية ترتبط بالبعد المكاني.

ورغم أن الصحافة كانت تحتاج إلى مجهود كبير، وهي عادة ما تكون مقبرة المبدعين كما يشتكي أكثرهم، بيد أن جعفر لم تفارقه الحالة الإبداعية في الكتابة، وهو يرجعها حينما سألته إلى أنه كان يتمرن على كتابة اليوميات منذ أن وعى أهميتها في مسيرة الكاتب، لذلك حين أصدر مجموعته القصصية الأولى «سالفة طويهر» كان يتجلى فيها ليس باعتباره صحفيا وإنما بوصفه العين الساردة التي اختزلت الكثير من مشاهداتها اليومية ثم حولتها إلى عمل إبداعي بحت. في عام 2023 أصدر مجموعة قصصية أخرى بعنوان «اليأس يشرب 7isb» يبان من خلالها شخصية جعفر السردية ذات العمق الشاعري الذي عرفته عن قرب بوصفه الذاهب إلى ذاته وكأنه ذاهب إلى صومعة أو معبد.