آخر تحديث: 21 / 7 / 2024م - 6:06 م

تاريخ الرواية باعتبارها فعل تحرر

محمد الحرز * صحيفة اليوم

عالم الرواية في ثقافتنا المعاصرة هو ما يصنع الذاكرة البشرية بناء على فاعلية المخيلة، ويمدها باللغة اللازمة في التعبير عن أدق مشاعرنا غورا في الروح مما يساعدنا على التواصل وفك العزلة، ويعلمنا كيف نبني هويتنا الفردية بناء على ثقافة الحوار مع شخصيات الرواية؟

إن بروز الفن الروائي في أوروبا ساهم مساهمة فعالة في انتشار الفردانية بالتوازي مع انتشار المطابع وإنتاج الكتب والصحف والمجلات، ومنذ ما يقارب مطالع القرن الثامن عشر الميلادي راحت شخصية «دون كيخوت» لسرفانتس تخترق الوعي الأوروبي الأدبي والفكري والفلسفي، من العمق باعتبارها الأيقونة التي تمثل انتقال المجتمع الأوروبي من «صفة الواحدية إلى صفة المتعدد» «فيصل دراج»، من الأزمنة التقليدية «الملحمية» إلى الأزمنة الحديثة «البرجوازية»، وكل ما سوف يأتي لاحقا من ثقافة تتشكل في أوروبا، سيكون مدينا لهذه الشخصية.

ولم يقتصر هذا الاختراق على أوروبا فقط، بل انتقل بشكل سريع إلى باقي المجتمعات، بالخصوص مع انتشار الاستعمار الأوروبي وانتشار ثقافته ذات البعد المركزي. وعليه فقد انتبهت الشعوب المستعمرة «بفتح العين» إلى الإمكانات الكبيرة لهذا الفن، وشكل لهم بالفعل خطاب مقاومة وإرادة، استعادوا من خلاله هويتهم التاريخية التي استلبت منهم. وقد رأينا لا حقا كيف استطاعت شعوب أمريكا اللاتينية، بعد انحسار المد الاستعماري، وبعد تراكم خبرات واحتكاك بالآخر الغربي أن تستعيد عاداتها وتقاليدها ولغاتها الشعبية المعبرة عن أصالتها من خلال السرد الروائي والقصصي، وبفضل كبار روائييها أصبحت رواية أمريكا اللاتينية تتفوق على نظيرتها الأوروبية وتؤثر عليها من العمق، وكأنها أرادت أن تنتقم من الاستعمار بالكتابة فقط، فأسماء كبورخيس، وماركيز، وخوزيه ساراماغو، وإدواردو غوليانو، وآخرين كثر، هم الأكثر انتشارا وتأثيرا عالميا في اللحظة الراهنة.

التفكير بهذا الأمر وخلاصته بالنسبة يفضي بي إلى التأملات التاريخية التالية:

العالم العربي استقبل الرواية القادمة من أوروبا، منذ بدأت النصوص التنويرية للتنويريين العرب في القرن التاسع عشر بالتركيز على أمرين: الأول ربط فكرة التقدم بإزاحة ظاهرة الاستبداد عن الأفق الثقافي الإسلامي، وقد تباين الاهتمام بين هؤلاء التنويريين، البعض كالكواكبي يرى الاستبداد السياسي هو الوجه الآخر للاستبداد الديني، ولن تتاح معارف جديدة في الفكر والأدب إلا بإزاحتهما عن هذه الثقافة والمجتمع.

ثاني الأمرين أن البعض الآخر كأحمد فارس الشدياق في كتابه «الساق على الساق» الذي جاء بين السيرة الذاتية وأدب الرحلات في أوائل القرن التاسع عشر، كان يتغنى بالحرية، وكان الشكل الروائي الذي توسل به الغناء هو الشكل الأدبي الذي أنتجته المجتمعات الحديثة الغربية، وهو المعبر عن روح العصر للمدينة الحديثة أيضا.

بين استنبات شكل أدبي مستورد وبين حاضنة ثقافية عربية إسلامية لا تعترف في أفقها إلا بالنصوص المقدسة، وبالقراءة الواحدة التي لا تؤول، نمت الرواية في ظل حداثة مشوهة. لكنها سرعان ما وسعت من هذا الظل، وأوجدت لنفسها منطلقات وأسسا تعيد إنتاج نفسها بمعزل عن سلطة الثقافة السائدة، وأصبح الكاتب يحقق حريته الذاتية - على الأقل - داخل نصه بالاتكاء على قوة المخيلة وفاعليتها.

التنازع بين النص الروائي وأفقه الثقافي والاجتماعي في حياتنا العربية المعاصرة هو تنازع بين أسلوب كتابي يبتكر لغته من حياة الناس المعاصرين إزاء لغة أسلوبية منحوتة من الماضي، بين نص يستعير من ثقافة الآخر، وبين أفق يلغي هذا الآخر، وبين هذا وذاك يبقى الرهان في أفق التغيير على كون الرواية هي الجنس الأدبي الذي يملك الإمكانات الكبيرة للتغير نحو حيازة الحرية كاملة.