آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 9:05 م

القصيدة الجديدة بين المنبرية والرؤية التحكيمية

محمد الحرز * صحيفة اليوم

- القصيدة الجديدة أو «قصيدة النثر أو الحر» سمها ما شئت، رغم الاختلافات التاريخية بينهما، إلا أني أميل إلى مصطلح القصيدة الجديدة.

- كنت أقنع نفسي دائما أن بإمكان هذه القصيدة أن تكون منبرية مثلها مثل الشكل العمودي والتفعيلي، على اعتبار أنها تملك إمكانات إيقاعية لا تقل عن إمكانات الوزن في كلا الشكلين الآخرين، لا سيما أن الإيقاع لا يرتبط بالبحور الشعرية فقط، وإنما له وظائف أخرى أشمل وأوسع تتجلى على المستوى الصوتي والصرفي والدلالي للكلمة.

- عندما تقف أمام منصة جماهيرية وتبدأ بإلقاء نصك سيلزم أن يكون حضورك الجسدي جزءا من نصك حيث الرابط بينهما هو الإيقاع، فكل جملة شعرية ينطقها الصوت تقابلها حركة جسدية فيما يشبه التناغم وكأن الجسد ينطق دلاليا ما يحاول النص أن يقوله على لسان شاعره، لينتج بالتالي معنى يساعد المتلقي كثيرا على التفاعل مع النص والتواصل معه جماليا، بالخصوص أن الكثير من النصوص النثرية تتهم على أقل تقدير بالغموض، وعلى أكثر تقدير بالتعمية.

لكن الأمر يتوقف بالنهاية على قوة الأداء الجسدي للمُلْقي من جانب وعلى الإمكانات التي يتيحها النص لإنتاج المعنى وتأويله من جانب آخر.

- خبرت تجربة الإلقاء بهذا المعنى عن قرب أمام جمهور عريض في أمسيات متنوعة ومختلفة، وأتذكر أنني شاركت في مهرجان شعري عالمي في إحدى المدن الفرنسية «سيت»، وكان يفترض بي أن أصعد على قارب صغير يأخذني إلى نهر يطل على مقبرة الشاعر الفرنسي الكبير بول فاليري لألقي بعض قصائدي على مجموعة من المستمعين للشعر لا يتجاوز عددهم العشرين وكلهم فرنسيون، وبالطبع كان يفترض يرافقني المترجم الذي سيقرأ قصائدي المترجمة للفرنسية أيضا.

- للأسف تخلّف المترجم عن الحضور، واضطررت عندها أن أبذل جهدا كبيرا مضاعفا في الإلقاء حتى أستطيع قدر الإمكان إيصال ما يمكن إيصاله عن طريق الجسد وحركاته ونبرة صوته ما تريد أن تقوله القصيدة بلسانها العربي، وقد كانت النتيجة بالنسبة لي مبهرة، فالتفاعل وردات الفعل في وجوههم كانت تدل دلالة قاطعة على أن ثمة شيئا قد حدث لهم، وجعل من ملامحهم تتغير إلى درجة أن أحدهم، وقد كان كبيرا في السن، اقترب مني وأخذ ينظر في القصيدة التي أقرأها، وكأنه يريد أن يتأكد من معنى قد فاته أثناء استماعه للقصيدة.

قد لا تشكل هذه الحادثة إضافة على بديهيات ما نعتقده جميعا بأن الشعر لغة عالمية يستطيع أن يفهمها كل إنسان مهما كان جنسه أو لغته أو ثقافته، والمشكلة عندي لا تكمن في الإلقاء أو التلقي للقصيدة الجديدة أمام الجمهور، وإنما في إخضاعها إلى رؤية تحكيمية في إطار مسابقات شعرية، وهي بالأساس لا تملك معايير ثابتة يمكن الركون إليها مثلما هو الحال في بقية الأشكال الشعرية الأخرى. فكل قصيدة في إطار الكتابة الجديدة يولد معيارها معها، ذلك إذا جاز أن نسمي ما يولد معها معيارا.

- لذلك من العبث أن تدخل القصيدة الجديدة في مسابقات شعرية لا تكسب «في أحسن الحالات» من ورائها سوى الصوت الجماهيري فقط.