آخر تحديث: 21 / 7 / 2024م - 6:06 م

الإمام علي (ع).. الشجاعة

عبد الرزاق الكوي

يتحلى الإمام علي بكل الفضائل العالية والصفات الحميدة والمكانة الجليلة التي لم يصل إليها أحد بعد رسول الله صلى عليه وآله، فشخصيته متكاملة، هذا التكامل جاء بعوامل كثيرة منها مشيئة ربانية وأخرى رعاية من الرسول صلى عليه وآله لتصقل وتكون حياته المشرفة دفاعا عن قيم الإسلام وحماية الرسول ﷺ، ومن بعده قيادة الأمة بمشروعه الذي استقاه وتعلمه من قبل المصطفى ﷺ لتكون شخصية مثالية تقود البشرية لبر الأمان.

العامل الوراثي وانحداره من عائلة اتصفت بمكارم الأخلاق بشكل عام والشجاعة بشكل خاص، فالعائلة الكريمة أنجبت أبطالاً، خاصة أبا طالب وأبناءه؟ فكانت الشجاعة من أهم ما اتصف به الإمام علي ، فقد مدح الله تعالى هذه الصفة، وأثنى الرسول ﷺ عليها مرارا وتكرارا، ظهرت شجاعته وهو طفل صغير يدافع عن الرسول ﷺ من أذى أطفال قريش، ومن بعدها شجاعته في المبيت في فراش النبي ﷺ، وكذلك خروجه من مكة إلى المدينة على مرآة الجميع مع نساء أهل البيت للحاق بالرسول ﷺ، ولم يستطع أحد الوقوف في وجهه، أو منعه وهو شاب في مقتبل العمر في وجود قادة المشركين، وتربصهم بالمسلمين والتضييق عليهم.

هذه الشجاعة كرّسها الإمام باقي أيام حياته جهادا في سبيل الله تعالى ونصرة للدين، جسد خلالها الوفاء والإخلاص والتفاني وإقدام منقطع النظير محققا جميع الانتصارات في حروبه وهزيمة كل من بارزه، ليس مرتجيا لمنصب أو مكانة دنيوية أو جائزة أو جاه.

لم يذكر التاريخ سابقا وحاضرا شجاعة مثل شجاعته، لم يفر قط، ولا هزته الكتائب، ولم يهب مقاتلة الأبطال بل كثيرا ما يهون على ذوي المقتول أن قاتله بطل الإسلام علي ، لم يجبن قط في موقف من مواقف القتال، ولم يتردد للحظة مخافة اللقاء، بل كان المقدام الأول والمستعد الدائم في تقديم نفسه الزكية للدفاع عن الدين كان فارس الميادين والنصر المبين تهابه الأبطال وترتعد من هيبته صناديد العرب، فهذا عمر بن عبد ود الذي يعد من أشجع العرب لم يستطع أحد مبارزته لقوته الجسمانية وشجاعته التي اشتهر بها، ومعرفة الجميع بقوته تراجع الجميع عن مقاتلته، فكان المبارز له الإمام علي حيث قال الرسول في ذلك «برز الإيمان كله إلى الشرك كله»، نعم الجائزة وهذا الشرف العظيم الذي يستحقه، فكان الانتصار حليف الإمام علي ، وتوج الرسول ﷺ هذا النصر الخالد الذي حافظ على بقاء الإسلام حيث قال: «إن ضربة علي عمرو يوم الخندق تعدل عمل الثقلين إلى يوم القيامة»، هنيئا هذه المكانة وهذا العطاء من منطق لا ينطق عن الهوى.

أما في غزوة خيبر فكان المبارز «مرحب» الذي يعد بألف فارس، فجبن الجميع عن مبارزته وخوفا من قتاله، فلم يكن له إلا علي ، كان الإنسان الشجاع الذي لا يهاب الموت، وهو القائل: ”والله إن ابن أبي طالب لآنس بالموت من الطفل بثدي أمه“ لم يسلم جزءا من جسده الشريف من الجراح، ما دخل معركة إلا كان قطب رحاها، وليث ساحتها وقائد مسيرتها مجسدا معنى الفداء، فكان النصر يكتب باسمه، حيث قال الرسول ﷺ «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله يفتح الله على يديه» وهذا تتويج آخر لو اجتمع الإنس والجن لرجحت كفة الإمام علي .

مع كل هذه الشجاعة المنقطعة النظير وأنسه بالموت في ساحات القتال لم يكن من عشاق الحروب، فالتاريخ يشهد كم تجنب إراقة الدماء بعد وفاة الرسول صلى عليه وآله تكالبت عليه الفتن كان فيها الناصح والداعي للسلم وتحكيم العقل، يحاور ويستنفد كل الطرق تجنبا للقتال، فقبل أن يحمل السيف حمل ما هو أثقل منه وما هو أصعب من ساحات القتال، فقد روض نفسه بقوة الإيمان والقرب من الرحمن، ففاز في الجهاد الأكبر فكان له الجهاد الأصغر طوعا بين يديه، فقد كانت التربية من قبل الرسول ﷺ، وما تنعكس ذلك على مجرى حياته من ورع وتقوى ظهرت وانعكست في سوح الجهاد، فكانت حياته مسيرة من الإنجازات العصية على غيره، رغم المصاعب وقوى الشر والنفاق كان شجاعا قويا بذاته حازما في قراراته يعمل لتحقيق نظرة الإسلام لحياة إنسانية فاضلة، تحتاج صبراً وتضحية وقوة عقيدة، فكان أهلا لها، حيث يدخل وسط الجيوش يضرب بالسيف وإبطال الحروب وصناديدهم تفر منه يمين وشمالاً، يخضب الأرض بدماء المشركين والمنافقين والخوارج.

هذا قليل من هذه الشخصية العظيمة في حق أمير المؤمنين فلو اجتمعت الإنسانية لكتابة خصلة من خصاله لما استطاعت بعد كلام النبي صلى عليه وآله عنه ومنزلته التي استحقها بما قدم للإسلام والإنسانية من عطاء.

اليوم تحتاج البشرية أن تستلهمه وأن تستحضره في حياتها، وتستفيد من هذه الرحمة الإلهية المتمثلة في شخصيته الطاهرة، ومن عبق حكمه ومواعظه ودروسه وشجاعته في الدفاع عن الحق.