آخر تحديث: 1 / 3 / 2024م - 1:56 ص

ليش ما نمت؟!

عبد الباري الدخيل *

”الرواية هي حياتنا كما نتمنّى أن تكون“. غازي القصيبي.

كانت البداية، ولعلّها من البدايات السعيدة التي لا تحدث إلا في الروايات والأفلام.

كنت قد نشرت في تويتر قبل أن تصبح «x» عبارة:

‏ ”أكبر جريمة يمكن لأي إنسان أن يرتكبها، كائنًا من كان، هي أن يعتقد ولو للحظة أن ضعف الآخرين وأخطاءهم هي التي تشكل حقه في الوجود على حسابهم، وهي التي تبرر له أخطاءه وجرائمه“.

‏#عائد_إلى_حيفا

‏#غسان_كنفاني

فأرسلت لي على الخاص: ليش ما نمت؟!

فأجبتها: كنت أقرأ ومرتْ بي هذه العبارة فأحببت تسجيلها ونشرها.

قالت: ماذا تقرأ؟

عائد إلى حيفا لغسان كنفاني.

- كتاب؟

- لا.. رواية.

- لا أحب قراءة الروايات، ليست نافعة.

- أنا أقرأ كل شيء وأي شيء.

- ما الفائدة من قراءة الروايات؟

- كل كتاب نقرأه نستفيد منه ولو بنسبة ضئيلة.

- ماذا تستفيد من قراءة رواية؟

- الروايات تساعد في زيادة مخزون المفردات، وتقوية اللغة.

- «تصمت فأكمل» وتأخذنا في رحلات تعرّفنا على ثقافات وأفكار جديدة.

- كيف؟

- مثلًا هذه الرّواية التي أقرأها «عائد إلى حيفا» تطرح مشكلتي الارتباط بالأرض، وترابط الأسرة.. ويسأل المؤلف: هل الابن لمن ربّاه أم لمن أنجبه؟

تكتب محاولة مقاطعتي لكنّي أكمل:

- يتحدث عن مأساتي الأب الذي فارق مجبراً ولده الرضيع، والطفل الذي ربّته أسرة أخرى من المعسكر الآخر.

تعود وتكتب، لكنني لا أقرأ ما كتبت، ولا أزال مسترسلًا:

- فهو فلسطيني يحب أرضه ويشتاق أن يرى طفله الذي لم يستطع أخذه معه يوم أن خرج من حيفا.

- لم أفهم

- أُكمل: الطفل كبر عند أسرة إسرائيلية فأصبح إسرائيليًا قد يواجه أخاه في إحدى المعارك.

- ماذا استفدنا؟

- هذه الرمزيات هي دوائر نعيشها في حياتنا، فليس فقط «سعيد. س» بل كل عربي يعيش صراع هوية.

- تحاول فلسفة الأشياء؟

- هذا الصراع الذي يتمثل تارة بالأرض، وأخرى بالدين أو المذهب، وثالثة بالقومية.

- «تصمت فأكتب» وهذا الطفل «خلدون/ دوف» هو نحن والصراع بين الحاضر والماضي، وفي ”حيفا“ ينتصر الحاضر حتى لو كان قد أضاع طريقه.

اختفت لأيام ثم عادت تقول: ما ذكرته سابقًا من فوائد تحصل عليها من كتاب.

- نعم.. صحيح.

- في الكتاب المعلومة موثقة، ودقيقة.

- صحيح.

- عندما تقرأ كتابًا فأنت تجالس عالمًا يعطيك من علمه.

- حتى الرواية يكتبها علماء ومثقفون.

- إذا كان بالإمكان قراءة كتب لمثقفين لماذا نلجأ للروايات؟

- يمكننا قراءة روايات مشوقة، قصص خيالية، أو حتى كتب غير خيالية مثل السير الذاتية.

- الأفضل أن نقرأ كتبًا مفيدة.

- الأفضل مسألة ذوق شخصي.

- الأفضل الكتب.

- لكن الروايات تقدّم تجربة ممتعة، وتساعد في توسيع وتطوير الخيال.

- الأفضل الكتب.

- الكتب والروايات على حدّ سواء لها فوائد مختلفة.

- الكتب تقدّم المعلومات والمعرفة في مجالات مختلفة.

- الروايات تساعد في تطوير مهارات القراءة والتفكير النقدي.

- الأفضل الكتب.

- إنها مسألة تفضيل شخصي!

- أنا أفضل الكتب.

- المسألة ذوق.. لكل شخص ذوقه المختلف عن الآخرين.

- نعم.

- ما يمكنني أن أقوله هو أن الروايات تقدّم تجربة ممتعة ومثيرة للاهتمام، حيث يمكنك أن تعيشي في عوالم خيالية، وتتعرفي على شخصيات مثيرة، وأحداث مشوقة.

- والكتب تقدم معلومات قيمة، وتساعد في تعلّم أشياء جديدة توّسع آفاق المعرفة.

- اختاري ما يناسب ذوقك واستمتعي بالقراءة.

وعادت لتختفي وظهرت بعد أكثر من أسبوعين:

- ما زلت أرى أن الروايات تفتقر للمعلومات القيّمة هي فقط خيال

- لا، ليس كل الروايات تفتقر للمعلومات القيمة. على العكس، هناك العديد من الروايات التي تقدم معلومات قيمة، وتسلط الضوء على قضايا مهمة في المجتمع. بعض الروايات تتناول التاريخ والثقافة والسياسة، وتساعد في فهم العالم بشكل أعمق.

- مثلًا..

- هناك على سبيل المثال، رواية ”بدينة ولكن“ للكاتبة «دانيال ستيل» تدور أحداثها عن فتاة تعاني من تنمر المحيطين بها كونها بدينة، حتى أبيها يعايرها ويقارن بينها وبين أختها الجميلة، وتستغرق وقتًا طويلًا لتكتشف شخصيتها وتتقبل ذاتها.

وصمتت لأيام ثم عادت تسأل:

- هل لاحظت أن الرواية التي استشهدت بها مترجمة؟

- هناك العديد من الروايات العربية التي تستحق القراءة.

- على سبيل المثال.

- يمكنك قراءة «ثلاثية غرناطة» للكاتبة رضوى عاشور، التي تروي قصة الأندلس وتاريخها، وسقوط جميع الممالك الإسلامية فيها.

- فقط كاتبة واحدة؟

- لقد كتب نجيب محفوظ روايات مميزة تستحق القراءة. يمكنك قراءة رواية ”ثرثرة فوق النيل“ التي تحكي أفكار المثقفين وواقعهم والصراع بين المثقف والسياسي.

- كلهم من مصر

- لا.. فهناك رواية ”موسم الهجرة إلى الشمال“ من تأليف الكاتب السوداني الطيب صالح. وقد اختيرت كواحدة من أفضل مئة رواية في القرن العشرين على مستوى الوطن العربي، تثير الرواية أسئلة الهوية، والصراع بين المواطن والمستعمر.

بعد أكثر من شهر وصلتني الرسالة التالية: لقد غيرتَ رأيي في الروايات، بعد أن قرأت بعضها، لكنني ما زلت أرى أن الكتب أفضل.

كتبت لها: هذا من حقك.

إذا سمحت لي أن أسأل: ماذا عن الرواية المحلية؟

الرواية المحلية قليلة، ولست مطلعاً على أكثرها.. لكن خذي على سبيل المثال الروائي عبدالله العبدالمحسن

عبدالله العبدالمحسن مؤلف كتاب الألعاب الشعبية في القطيف، وشعراء القطيف المعاصرون؟

لا.. من تقصدينه عبدالله آل عبدالمحسن من أهالي تاروت، ومن أقصده من أهالي الجش.

ماذا به؟

له رواية بعنوان «السّواق»، تتحدث عن معانات المرأة ومقاومتها للتهميش، وتحكّم الزوج، وسؤال: ما العيب في زواج مواطنة من سائقها الهندي؟

بعد مدة حلّ شهر رمضان المبارك فأرسلتُ لها مهنئًا ومقترحًا: ما رأيك بمناسبة الشهر الفضيل أن نقرأ كتاب: «من وحي القرآن» فهو تفسير تربوي اجتماعي شامل، ويعد من أروع التفاسير الجامعة.

ولماذا لا نقرأ تفسير الميزان؟ فهو من التفاسير المعروفة.

تفسير الميزان ممتاز، لكنّه يحتوي على مباحث فلسفية تحتاج إلى مقدمات.

إذا أنهيت قراءتي لكتاب «حياة في الإدارة» للدكتور غازي القصيبي سأبدأ معك في التفسير.

لماذا لا نضع كتاب القصيبي على طاولة النقاش؟ فقد قرأته سنة صدوره عام 1998 م.

في نفس الفترة لفت انتباهي تغيّر في تفكير زوجتي، إذ صارت تسأل عن كتب وروايات، وتجلس بالساعات تقرأ، وهي قبل فترة سألتني عن كتاب القصيبي.. هل هي؟ هي؟

ساعتها شككتُ أنها صاحبتي المحاورة، وعندما واجهتها أنكرت، لكن.. فضحتها عيونها اللامعة.

يوم ذاك تحوّل الحوار من افتراضي إلى واقعي، وقرّرنا أن نتعاون في قراءة الكتب والروايات، ونضعها على طاولة التشريح، وقد نتج عن هذا التعاون أن ابنتنا «سناء» صارت قارئة وناقدة وكاتبة منذ مراحلها التعليمية الأولى، وقد فازت بجوائز في هذا المجال.