آخر تحديث: 1 / 3 / 2024م - 1:56 ص

الشيخ الخشن: الخطاب اللاهوتي أبرز مشاكل الأديان.. والتجديد يبدأ من المنهج

جهات الإخبارية حوار - حسين زين الدين

قال الباحث الشيخ حسين الخشن: إن مشكلة الأديان تتبلور في الخطاب اللاهوتي من جهة، وتقديم صورة نمطية عن الآخر من جهة أخرى، مبينًا أن الشخصية المتدينة تعاني نوعًا من التشوه، ومن اختلال الموازين، فهي تراعي حدود الله في أمور تفصيلية، لكنها لا تعيش قلقًا إزاء حقوق الآخرين.

ورأى خلال حواره مع صحيفة ”جهات الإخبارية“، أن التجديد الديني يبدأ في المنهج، وهو ضرورة إعادة إجراء فرز للتراث الديني الفقهي، لتحديد ما هو ثابت منه وما هو متغير، وإلى نص الحوار:

ماذا عن ماهية الدين؟

إنّ النص القرآني واضحٌ في تحديد الوظيفة الأساسية للدين، وهي بناء الإنسان روحيًا ومعنويًا وأخلاقيًا واجتماعيًا، إنّه يريد أنسنة الإنسان، وترويض نزعاته، وتفجير طاقات الخير الكامنة في أعماق نفسه.

هل هناك حاجة وجودية للدين أم أنه ضرورة إنسانية؟

إذا كان المخاطب بالدين هو الإنسان، وكان الإنسان محور الرسالات السماوية، فهذا يحتم علينا أن نعي ونفهم الإنسان جيدًا، فلا يكفي أن نقصر السؤال على ما يريده الدين في شريعته من الإنسان، بل لا بدّ أن نتساءل عما يريده الإنسان، ويتطلع إليه في كينونة إنسانيته وعمق فطرته من الدين.

والآية المباركة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال: آية 24]، بينت - بإجمال - الهدف الذي يصبو إليه الدين وما يريده من الإنسان، وهو إحياؤه، فإن علينا أن لا نكتفي بالوقوف عند هذا الحد، بل من المفروض أن ننتقل - وتحقيقًا لهذا الهدف - إلى دراسة الإنسان جيداً لنفهم ونعي ما الذي يحييه، وإذا لم ندرس الإنسان جيداً لن نعي ما الذي يحييه، ولهذا أعتقد أنه كلما فهمنا الإنسان أكثر - في حاجاته الروحية والنفسية والاجتماعية في أسئلته وقلقه وفي تطلعاته وطموحه - استطعنا أن نعي رسالة الدين نفسه أكثر ونكتشف أبعاد الخطاب الديني أكثر.

أين تقع أهمية الدين في حياة الإنسان؟

دور الدين سيبقى دورًا محوريًا وفاعًلا في الحياة الإنسانية بشتى أبعادها، كما كان أكبر فاعل ومحرِّك للتاريخ البشري برمته، ويمكن لنا الإشارة إلى أهم أبعاد الدين في الحياة ما يجعله حاجة للإنسان.

وما هي تلك الأبعاد؟

البعد المعرفي: إنّ الدين من خلال أطروحته حول المبدأ والمعاد، وما بينهما من تجربة إنسانية على الأرض، يقدم تصوراً مكتملاً ومعقولاً وقابلاً للحياة، وهو قد أقنع ولا يزال يقنع الشريحة الأوسع من بني الإنسان، وأهميّة هذا التصور أنّه يعطي للحياة تفسيراً منتظماً ومستجيباً لفطرة الإنسان، وهو يمدُّ المؤمن به بطاقة وحيوية كافية تمكنه من مواصلة رحلة الحياة بالكثير من الانتظام، ويخرجه من أسر العدمية واللامعنى. طبيعي أنّ هذا التصور قد اعترته الكثير من التحديات وواجهته الكثير من الإشكالات، ولذا فهو يحتاج إلى الكثير من التصويب أو التطوير في بعض الجوانب، ولا سيما بلحاظ ما بني منه على أفكار ونظريات فلسفية وكلامية اجتهادية قديمة، وقد تجاوزتها حركة البحث العلمي والفلسفي.

البعد الروحي: إن واحداً من أهم الحقول الخصبة التي تشكل حاجة للدين ويمكنه أن يملأها هي المجال الروحي، واللافت أنّ النبوات قدّمت منظومة متكاملة يضمن الالتزام بها وصول الإنسان إلى السعادة الروحية والهداية المعنوية. الفطرة - أو الوجدان - لا تستطيع أن تشكّل الضمانة الكافية لهداية الإنسان ووصوله إلى مرحلة الكمال على المستوى المعنوي والروحي، لأنّ الفطرة قد تتلوّث، وهي بحاجة إلى من يسددها ويصقلها ويكتشف العناصر الطيبة فيها فينميها، وقد رأينا الإنسان في مسيرته التاريخية ومع امتلاكه للفطرة الصافية قد وقع ولا يزال في الأخطاء الكبيرة والانحرافات الخطيرة التي أبعدته عن خط الفطرة.

البعد الاجتماعي: أمّا فيما يتصل بالبعد الاجتماعي، فيمكن القول: إنّ الحياة الاجتماعية لا بدّ لها من قانون يحكمها، لأنّ الاجتماع مظنة التصادم التشاجر والتنازع، الأمر الذي يفرض الحاجة إلى القانون الذي ينظم هذه الحياة، ويمنع البغي والظلم ويعطي كل ذي حق حقه، ولا ريب أن الدين يستطيع الإسهام على هذا الصعيد من خلال الإسهام في تشريع أو إمضاء القوانين الناظمة لحركة الاجتماع البشري، والإيمان بأنّ القوانين تنتسب إلى الله تعالى يمنحها قوّة خاصة وزخماً كبيراً يساعد على تطبيقها، ويعطي المؤمن بالله دفعاً روحياً خاصاً يجعله يتحرّك لامتثالها، لأنّه في الحقيقة يعبد الله ويتقرّب إليه بامتثال هذه القوانين، كما أنّه يستحضر رقابة الله تعالى قبل رقابة الضابطة العدلية.

ولو شكّك مشكك في أهميّة دور الأنبياء على صعيد سن القوانين، على اعتبار أنّ الأجدى في أمر القوانين هو أن تترك إلى العقل البشري واجتهاده الذي يراعي تغيّر الحياة، فلا أظنّ أحداً ينبغي أن يشكّك في أنّ القوانين أياً كان مصدرها تحتاج إلى ضمانات لتطبيقها ولا ريب أنّ استشعار الرقابة الإلهية يضخ في القانون بعداً روحياً كبيراً، ويدفع الإنسان المؤمن إلى الالتزام بالقوانين من موقع أنّه يعبد الله بذلك كما يعبده بالصلاة والصيام، فالحياة كلّها في شتى مواقعها وساحاتها في بيوتها وأسواقها هي معبد ومختبر لإرادة الإيمان، وأما لو كانت القوانين من وضع الإنسان نفسه فلن تمتلك القداسة نفسها التي تمتلكها القوانين والتعاليم والإرشادات التي جاء بها الأنبياء ، استناداً إلى وحي الله تعالى، أو أمضوها وأقروها، ولا يشعر أنّه يتعبّد إلى الله تعالى بالتزامها.

ومن أهم الأبعاد التي يسهم الدين في تزويدها بالحيوية اللازمة هي البعد الأخلاقي، وهو ما نتطرق إليه في الإجابة لاحقاً.

كيف يمكن ضبط فعل التدين وتحرير حقيقة الدين؟

إنّ ثمّة مقولة تبريرية شائعة نرددها دوماً إزاء المفارقة التي تواجهنا حول غربة الإنسان المتدين عن تعاليم الدين الذي ينتسب إليه، والمقولة هي أنّ المشكلة لا تكمن في الفكر الديني نفسه بقدر ما تكمن في الإنسان الذي انحرف وابتعد عن رسالة الدين وتعاليمه، ولطالما سمعنا من يقول: المشكلة هي في المسلمين لا في الإسلام وفي المتدينين لا في الدين، وأنا لا أؤمن كثيراً بإطلاقية هذه المقولة، وأعتقد أنّ الفكر القوي لا بدّ أن يشقّ طريقه بنفسه إلى الحياة وأن تتلقفه العقول وترنو إليه القلوب كما ترنو الأرض العطشى إلى قطرات ماء المطر المنساب عليها. ولا سيما إذا تسنى لأصحابه أن يقدموه بخطاب جاذب وقالب جميل.

إن الواقع هو المختبر للأفكار والأطروحات، دينية كانت أو غير دينية، والذي يُقنع الإنسان ولا سيما في هذه الأيام، هو صدقيّة الأفكار وصوابيتها على أرض الواقع وقدرتها العملية على حلّ مشكلاته، وتحقيق رغباته وأمنياته، إنه يتطلع إلى التجارب الناجحة والنماذج العمليّة، أكثر مما يتطلع إلى الأفكار المثالية التجريدية.

هل يعني هذا أنّ المشكلة في الدين نفسه؟

لا، الأمر ليس كذلك بتاتاً، والمشكلة ليست في أصل الدين، كيف والدين - كما أسلفنا - حاجة وجودية للإنسان، إذ لا يمكنه أن يعيش بدون إيمان وتدين، والمشكلة أيضاً لا تكمن في الإنسان نفسه، ولا يصحّ إطلاق القول بأنّ الإنسان هو المشكلة وهو العصيّ على التدين، وأنه بسوء اختياره يأبى التدين.

إنّ حالات الارتداد عن الدين وحالات القلق المعرفي والروحي التي تجتاح الكثير من المسلمين وغيرهم، والأسئلة المكبوتة لدى البعض، أو التي يجاهر البعض الآخر بطرحها إلى حدّ إعلانهم صراحة عن عدم قناعتهم بالكثير من الأحكام الشرعية أو المفاهيم والتصورات الدينية، يفرض على أعلام الدين من المفكرين والفقهاء أن يعيدوا النظر في تشخيصهم لدور الدين في الحياة ويعيدوا النظر في تصوراتهم القديمة عن دور الدين، ومن الضروري أنْ نؤكد على ضرورة إعادة فهم وظيفة الدين على ضوء فهمنا لحاجات الإنسان.

كيف يمكن استيعاب ماهية الأخلاق؟

الأخلاق هي جوهر الدين وروحه ولا حاجة لدين لا تكون الأخلاق هي ركيزته ومرجعيته الحاكمة، والسبب في ذلك: أنّ مشكلات البشر في عمقها كانت ولا تزال مشكلة أخلاق، وإنّ نظرة بسيطة إلى الأزمات الإنسانية المتنوعة، السياسية والاقتصادية، والاجتماعية كافية لكي ندرك أنّها - في العمق - تنطلق من ضعف الوازع الأخلاقي وربما انعدام القيم، فالوحشية غير المسبوقة التي نشهدها في أيامنا، والتي تدفع الإنسان لافتراس أخيه الإنسان، دون أن يرفّ له جفن هي تعبير عن هذه الأزمة الأخلاقية، وكذلك التهتك الذي وصل إلى حد الفجور وشرعنة الشذوذ الجنسي يعبّر هو الآخر عن أزمة أخلاق.

وإذا كان المتعارف تقسيم المعارف الإسلامية إلى ثلاثة أنواع، وهي: العقيدة والأخلاق والفقه، فهذا لا ينبغي أن يفهم منه أنّ الأخلاق هي صنف مغاير للعقيدة والشريعة، كلا، فالمنظومة الاعتقادية ترمي - في بعدٍ أساسي من أبعادها - إلى تزكية النفس وإصلاحها، فالإيمان بالله لا بدّ أن ينعكس على سلوكنا العملي، ومن هنا ورد في الأحاديث الشريفة هذا الربط بين الإيمان والأخلاق.

ماذا عن علاقة الدين والثقافة؟

لا أرى من الصحة في شيء جعل الثقافة مضادة للدين، ولا يفترض بالفكر الديني أن يكون نقيضاً للفكر الثقافي بشتى تنوعاته وتلاوينه، أجل، قد تنشأ الإشكالية الجدلية في مقارنة الثقافة بالدين عندما ننظر إلى الدين بلحاظ مصدره الغيبي المعصوم عن الخطأ، فالدين بهذا الاعتبار هو مقدس ومطلق وليس عرضة للخطأ وبالتالي فعلى الجميع أن يتكيفوا معه، بينما الثقافة هي حصيلة فكر ونشاط إنساني، فهي نسبية ومتحركة وعرضة للتغير.

لكنْ لا أرى أن هذا يفترض أن يشكل مانعاً من تكامل الديني مع الثقافي، وذلك لأنّنا في هذه المرحلة لسنا في زمن الأنبياء الذين ينزل عليهم الوحي وتكون قراءتهم للوحي مقدسة وغير محتملة للخطأ، وإنما نحن في زمن الاجتهاد، وفي زمننا هذا لو أننا نظرنا إلى الدين من خلال تمثله في الذهن البشري، فهو ليس معصوماً عن الخطأ، وإنما هو حصيلة اجتهاد في فهم النص، وعليه سيكون الاجتهاد الديني نشاطاً بشرياً وعرضة للخطأ، وليس مطلقاً ولا متعالياً على النقد، ومن هذه الجهة يتساوى الاجتهاد الديني مع أي نشاط ثقافي آخر أكان نشاطاً فلسفياً أو أدبياً أو علمياً.

لماذا لا يزال حوار الأديان شائكًا؟

إنّ حوار الأديان لا يزال متعثراً لأكثر من سبب، منها أن المؤسسات التي تعنى بالحوار وترعاه - وبسبب انبثاقها عن الأنظمة السياسية التي تحكمها المصالح الضيقة - تقود حوارات في معظمها حوارات نخبوية لم تنزل من البروج العاجية إلى القاعدة لتلامس همومها وتعلمها ثقافة التسامح، وهي أيضاً وللسبب عينه غير جادة في مساعيها، وتنحو إلى اعتماد أسلوب تطغى عليه المجاملة والمداهنة والتعمية على الأمور، ولا تدرس مشكلة العدائية بين الأديان في العمق لتتعرف على أسبابها، وتعمل على تفكيكها، وهذا ما يفقد الحوار المذكور فاعليته وتأثيره.

ومن الأسباب أيضاً: أنّ حركة النظام السياسي المهيمن في العالم، لا تساعد على طيِّ صفحة الماضي الأليم، الأمر الذي يجعل الذاكرة تستحضر - باستمرار - الإرث التاريخي الثقيل والمؤلم من الصراعات الدموية بين أتباع الأديان، وهو بالمناسبة إرثٌ ملؤه المجازر التي لم تتم - إلى الآن - عملية الاعتراف بها وإدانتها والاعتذار منها، ولذا لا يزال يُفتح بين الفينة والأخرى، ما قد يُشعر السواد الأعظم من أتباع الأديان أنّ تهديد الآخر لا يزال قائماً، وأنّ الجرح لا يزال مفتوحاً، وأنّ التعايش مع الآخر غير ممكن، وتغذي هذا الشعور السياسات الظالمة والممارسات العدوانية التي لم تتوقف يوماً من الأيام بحق شعوب منطقتنا العربية والإسلامية، ومنها الشعب الفلسطيني على سبيل المثال، وهذا ما يسمحُ للكثيرين أن يقرؤوا ذلك على أنه استمرار للحروب الصليبية مثلاً، وهذا بطبيعة الحال صبّ في خدمة الاتجاه السلفي الرافض لفكرة الحوار مع الآخر من أصلها، وولّد شعوراً لدى الكثير من المسلمين بأن الحوار مع الآخر هو حوار الضعيف مع القوي. وفي المقابل، فإنّ المناخ الذي ساد في الغرب ولا سيما بعد أحداث 11 أيلول من العام 2011 م في أمريكا وما نتج عنها من تعزيز وترسيخ وتعميق خطاب الكراهية وتعزيز الخوف من الإسلام، ”الإسلاموفوبيا“، قد ولّد انطباعاً راسخاً لدى الغربيين أنّ الإسلام هو خطر على نمط حياتهم، بل وعلى وجودهم.

ماذا عن تفعيل الانفتاح بين أطراف التعدد الدياناتي؟

إنّ مشكلة الأديان هي في الخطاب اللاهوتي من جهة، والخطاب الفقهي من جهة أخرى، أما الخطاب اللاهوتي والكلامي لكل جماعة دينية فمشكلته أنه يقوم على زعم احتكار الحقيقة المطلقة لأتباعه، ونفيه أن يكون لدى الآخر شيء منها، وبذلك قدم تصوراً مظلماً عن الآخر، فكفره وأقصاه وأخرجه من رحمة الله تعالى، ولم يجد له عذراً، ثم جاء الخطاب الفقهي ليعزز تلك الصورة النمطية عن الآخر، فأفتى بأن الآخر نجس، وأنه كالكلب والخنزير، ودعا إلى احتقاره، فنهى عن مصادقته ودعا إلى التضييق عليه، وسوّغ إهانته، حتى اشتهرت في بعض كتب الفقه عبارة ”المسلم يكرم والذمي يهان“.

وهذا الخطابُ لم يجنِ على الأديان فحسب، ولم تنحصر ضحاياه في الآخر الديني، بل إنه جنى على أصحابه أنفسهم حيث أسهم في إنتاج شخصيات دينية متعصبة، تربّت على خطابٍ غَرَسَ فيها روح الاستكبار والاستعلاء على الآخر باسم الدين، وغدت الشخصية ”المتدينة“ شخصية يتملكها الغرور، والغرور الديني من أخطر أنواع الغرور، لأنّ المغتر بدنياه كثيراً ما توقظه المواعظ، وأما المغتر بدينه فلا تنفعه المواعظ، ولا يتقبلها، وكيف يتقبلها وهو يرى نفسه في موقع الواعظ لا المتعظ، بل ربما تذمر بالنصيحة.

أين المنهج في ترتيب الوعي الديني بما يؤسس لحياة إنسانية راشدة؟

مسألة التجديد هي من أهم المسائل الملحة على العقل الديني ولا سيما العقل الفقهي، ولا يمكن الحديث عن التجديد في الدين بعيداً عن التجديد في المنهج، وإن واقع الحال ينبئنا أنّ المنهج التقليدي الذي لا يزال متحكماً في عقول شريحة واسعة من علماء الدين ودعاته لا يزال يمتلك قدرة على الاستقطاب والتأثير لدى جمهور واسع من أبناء الأمة، وأتباع هذا المنهج يرفضون إلى الآن إعادة النظر في الكثير من الأفكار والمفاهيم الدينية القديمة التي كانت تُقدِّم تصورات خاصة عن الوجود وعن الكون وعن بداية الحياة، مع أنها اليوم تبدو غير منسجمة مع أبسط النظريات العلميّة، ما يشعر المسلم بأن بعض أفكاره هي في صدام مع حركة العلم.

هذا على الصعيد الكلامي، وأما على الصعيد الفقهي فلا يزال المنهج السائد لدى غالب المدارس الفقهية يرفض التجديد في المنهج الأصولي الموروث، ويرفض التمييز بين الثابت والمتغير، ويرفض الإفادة من مقاصد الدين واعتمادها كمرجعية حاكمة في عمليات الاستنباط الفقهي.

ولهذا كله نعتقد أنّ عملية التجديد لا بدّ أن تبدأ من المنهج، وإلا فإنّ جهود المجددين ستذهب أدراج الرياح، وسنبقى ندور في حلقة مفرغة. وفي إطار التجديد في المنهج نشير إلى منعطف أساسي لا بدّ أن ينطلق مسار التجديد منه، وهو ضرورة إعادة إجراء فرز للتراث الديني الفقهي، لتحديد ما هو ثابت منه وما هو متغير.